عناصر الخطبة
1/النفس البشرية بين الإقبال والإدبار 2/علاج النفس في ذكر الله وتقواه 3/كتاب الله أعظم موعظة 4/حاجة كل الناس للوعظ والتذكير 5/شرط الانتفاع بالموعظةاقتباس
إنَّ للنفس إقبالًا وإدبارًا، وإيابًا وفِرارًا؛ وعلاجُها في كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ ففيهما الْهُدَى والنورُ، وبهما يكون الفوزُ يومَ النُّشورِ، وهُمَا أجلُّ نعمةٍ وأكرمُ مِنَّةٍ تفضَّل اللهُ بها على عبادِه...
الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ؛ جعلَ الموعِظةَ جلاءً للقلوب، ونورًا للدروب. نحمدُه -سبحانه وتعالى- ونشكُرُه؛ غافِرُ الذنوبِ، وساتِرُ العيوبِ.
وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لَا شريكَ له؛ مَفْزَعُ كلِّ مكروبٍ، وأمانُ كلِّ مرعوبٍ. وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه؛ أرسلَه ربُّه بين يدَيِ الساعةِ رحمةً للشعوب. صلى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابه -أهل الأوبة الدَّؤُوب-، وعلى التابعينَ وتابعيهم بإحسانٍ بالإشراقِ والغروبِ.
أمَّا بعدُ: فأُوصيكم -أَيُّهَا النَّاسُ- ونفسي بتقوى الله؛ فاتقوا اللهَ -رحمكم الله-، وتمسَّكوا بحبلِه وعُراه؛ تَسعَدوا في دنياكم ويومَ لُقياه.
عبادَ اللهِ: إنَّ للنفس إقبالًا وإدبارًا، وإيابًا وفِرارًا؛ وعلاجُها في كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ ففيهما الْهُدَى والنورُ، وبهما يكون الفوزُ يومَ النُّشورِ، وهُمَا أجلُّ نعمةٍ وأكرمُ مِنَّةٍ تفضَّل اللهُ بها على عبادِه، فَقَالَ -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[يُونُسَ: 57-58].
والوعظُ مِنْ صفاتِ اللهِ -جلَّ وعلا- الفعليَّة التي تولَّاها -سبحانه- بنفسه العليَّة؛ فقال: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[الْبَقَرَةِ: 231]، وقال -سبحانه-: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90].
وأمَر -تبارك وتعالى- نبيَّه -صلوات ربي وسلامه عليه- أن يعِظ قومه فقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا)[النِّسَاءِ: 63].
وباشَرَها رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بنفسِه؛ فغدَتْ من أجلِّ الوظائفِ، وأعظمِ القُرُباتِ عندَ ربِّ الأرضِ والسماواتِ.
والموعِظةُ الحسنةُ سُنَّةُ الأولينَ، ودأبُ الصالحينَ من السابقينَ واللاحقينَ؛ (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لُقْمَانَ: 13].
وأفضلُ المواعِظ وأجلُّها، وأكثرُها نفعًا، وأعظمُها أثرًا: كتابُ الله -جل وعلا-؛ به حياةُ القلوبِ والأبدانِ، وغِذاءُ الأرواحِ والوجدانِ؛ (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ)[الشُّورَى: 52-53].
ومَنْ لم يتعِظْ بكتابِ اللهِ فهو ميتٌ تائهٌ في ظلمةِ الغرورِ، ولو كان يمشي على هذه الأرضِ ساعيًا فيها؛ (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[الْأَنْعَامِ: 122].
عبادَ اللهِ: والوعظُ والتذكيرُ لَا يستغني عنه أحدٌ من الناس؛ فقد خَصَّ بها رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أكرمَ الخلقِ بعدِ الأنبياء والمُرسَلين -عليهم أفضلُ الصلاةِ وأزْكَى التسليمِ-، أفضلَ القرون وخيرَةَ الأزمان: صحابتَه -رضي اللهُ عنهم-؛ حَتَّى ذرفَت منها عيونُهم، ووجِلَت منها قلوبُهم، بل ها هو رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تذرِفُ عيناه؛ لِمَا وجدَ في كتابِ اللهِ من الموعِظة والذكرى، والتأثُر والعبرة؛ فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اقرأ عليَّ القرآن". قلتُ: أقرأُ عليك وعليكَ أُنزِل؟! قَالَ: "إني أحبُّ أن أسمعَه من غيري". فقرأتُ عليه سورةَ النساءِ حَتَّى بلغتُ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)[النِّسَاءِ: 41]. قَالَ: "أَمْسِكْ"؛ فإذا عينَاه تذرِفان. (متفَقٌ عليهِ).
فاتقوا اللهَ -أيُّها المسلمون-؛ وتعهَّدوا نفوسَكم وقلوبَكم وإخوانَكم وأحبابَكم -ومن له حقٌّ عليكم- بالموعِظة والذكرى؛ فالقلوبُ تصدأُ كما يصدأُ الحديدُ، وجِلاؤُها في كتابِ اللهِ -جل وعلا-.
أقولُ قولي هَذَا، وأستغفرُ الله لِي وَلَكُمْ ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ؛ فاستغفِروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيِّبًا مبارَكًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وَأَشْهَدُ أن لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لَا شريكَ له يعلمُ السرَّ والنَّجوى. وَأَشْهَدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه؛ مَنِ اعتصمَ بسُنَّته هُدِيَ إلى العُروة الوثقَى. صلى الله وسلم وبارَك عليه، وعلى آله وصحابته أهل الخشية والتُّقَى.
أمَّا بعدُ: اعلموا أنَّ الموعِظة إنما ينتفعُ بها حقَّ الانتفاعِ، ويستفيدُ منها حقَّ الفائدةِ: مَنْ أقبلَ على اللهِ بقلبِه، والتمسَ الهدايةَ من كتابِه، قال -سبحانه-: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)[ق: 45].
وهي غايةُ كلِّ عالِمٍ، ومرامُ كلِّ مُصلِحٍ؛ كلُّ ذلك على منهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام: بالعِلْم والحكمة، والموعِظة الحسنة؛ (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[يُوسُفَ: 108]، مع التخفيفِ والإيجازِ؛ حَتَّى لَا يملَّ الناسُ ويضجَرُوا فيقعَ نقيضُ مقصِد الشارعِ؛ وهو أمرٌ تُنَزَّهُ عنه الشريعةُ؛ فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يَتَخَوَّلُنَا بالموعِظة في الأيامِ كراهةَ السَّآمَة علينا"(مُتَّفقٌ عليه).
هَذَا؛ وصلُّوا وسلِّموا -عبادَ اللهِ- على خيرِ خلقِ اللهِ؛ كما أمرَكم بذلك ربُّكم فقال -جلَّ في عُلاه-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].
اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وزِدْ وبارِكْ وأنعِمْ على عبدِكَ ورسولِكَ نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللَّهُمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ، وعن التابعينَ ومَنْ تبعَهم بإحسانٍ إِلَى يوم الدين.
اللَّهُمَّ فرِّجْ هَمَّ المهمومينَ من المسلمينَ، ونفِّس كربَ المكروبينَ، واقضِ الدَّينَ عن المدينينَ، واشفِ مرضانا ومرضَى المسلمينَ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأَصلِحْ أئمَّتَنا وولاةَ أمورِنا، وأيِّدْ بالحقِّ والتوفيقِ والتسديدِ إمامَنا ووليَّ أمرِنا خادمَ الحرمينِ الشريفينِ، اللَّهُمَّ أطِلْ عُمرَه في صحَّةٍ وعافيةٍ، ونعمةٍ سابِغةٍ ضافيةٍ. اللَّهُمَّ وفِّقْه ووليَّ عهدِه الأمينَ لِمَا فيه صلاحُ البلادِ والعبادِ، وعزٌّ للإسلامِ والمسلمينَ.
اللَّهُمَّ احفَظ جنودَنا المُرابِطين على الحُدود والثغور، اللَّهُمَّ احرُسهم بعينِكَ التي لَا تنام، واكنُفهم برُكنِك الَّذِي لَا يُرام يا ذا الجلال والإكرام.
اللَّهُمَّ كُنْ لإخواننا المُستضعَفين مُؤيِّدًا وظهيرًا، ومُعينًا ونصيرًا، اللَّهُمَّ كُن لهم في فلسطين، وفي كل مكانٍ يا ربَّ العالمينَ، اللَّهُمَّ أَبدِلْ ضعفَهم قوةً، وخوفَهم أمنًا، وبُؤسَهم سعةً ورخاءً؛ واجمَعْ كلمتَهم على الحقِّ والهُدى برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ.
اللَّهُمَّ مَنْ أرادَنا وأرادَ بلادَنا -بلادَ الحرمينِ الشريفينِ- وسائرَ بلادِ المسلمينَ بسوءٍ فأشغِلْه بنفسِه، واجعَلْ كيدَه في نحرِه، واجعَلْ تدميرَه في تدبيرِه؛ يا قويُّ ويا عزيزُ.
اللَّهُمَّ اجعَلِ القرآنَ العظيمَ ربيعَ قلوبِنا، ونورَ صدورِنا، وجلاءَ همومِنا وغمومِنا، اللَّهُمَّ علِّمنا منه ما جهِلنا، وذكِّرنا منه ما نسينا، وارزُقنا تلاوتَه آناءَ الليل وأطرافَ النهار على الوجهِ الَّذِي يُرضيكَ عَنَّا، برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ.
(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم