عناصر الخطبة
1/خطورة الظلم وحرمته في الإسلام 2/بعض صور الظلم في الواقع 3/ التوبة من الظلم وحقوق العباد.اقتباس
والظلم في دماء المسلمين في استحلالها بغير حق، فيكفر المسلمين بسبب خطيئة أو معصية، وهذا خارج عن إجماع الأمة، ومخالف لمنهج الصحابة -رضي الله عنهم- جميعًا الذي اتفقوا على مقاتلة الخوارج...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:
لو فُتحت صفحات الكتب، وقُلِّبت دساتير الأرض، وبُحث في تراث البشر قديمًا وحديثًا… فلن تجد كتابًا واجه الظلم، وفضحه، وحاصره، وهدد أهله، كما فعل القرآن الكريم، الذي ذكر الظلم 290 مرة، بين نهي عنه، وبيان جزاء مرتكبيه، وتقبيح صورته، وتنزيه الله -تعالى- عنه، وذكر قصص الظالمين وما حلّ بهم للعبرة، والأمر بالعدل، واتصاف الله -تعالى- به، وجزاء العادلين، ونصرة الله لهم. حتى يملأ قلوب الناس برفض الظلم، ويحشد كل طاقاتهم لمواجهة الظالمين، ويصنع في النفوس حصانة ضد الطغيان.
وأعظم الظلم الشرك، قال لقمان لابنه: (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان: 13].
وقال موسى -عليه السلام-: (يَا قَوْمُ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ)[الأعراف:148]، وكل المعاصي ظلم، قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)[النساء: 29].
وحدد النبي -صلى الله عليه وسلم- أهم ما يجب التحذير منه من أنواع الظلم في أعظم اجتماع في حياته، وهو خطبة الوداع؛ فقال: "إنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا"(متفق عليه).
دماءكم حرام بالاستهانة في القتل بغير حق مقابل لعاعة من الدنيا، ويشترك في ذلك كل من سهّل الجريمة بالقانون والتشريع، والدعم والتشجيع، وتوفير السلاح، وإهانة المقتول، وقد قتل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عدة أشخاص من اليمن اشتركوا في قتل رجل، فقال: والله لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا.
والظلم في دماء المسلمين في استحلالها بغير حق؛ فيُكفِّر المسلمين بسبب خطيئةٍ أو معصيةٍ، وهذا خارج عن إجماع الأمة، ومخالف لمنهج الصحابة -رضي الله عنهم- جميعًا الذي اتفقوا على مقاتلة الخوارج.
دماء المسلمين حرام، ودماء المعاهدين حرام؛ فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا"(رواه البخاري).
أموالكم حرام؛ فيتساهل بعض الناس بغضب الرب -سبحانه- بشبرٍ يلتقمه ظلمًا، يطوق به من سبع أرضين يوم القيامة؛ البيع على البيع ظلم، والزيادة على المعسر في الدين ظلم، والمواريث التي تُغتصب من أفواه الأيتام والورثة بغير حق من الظلم، قال -سبحانه-: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)[النساء:10]،
وقال -عز وجل-: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا)[النساء: 2].
وحرمان بعض الورثة من الوصية من الظلم المضاعف الذي يعدّ من سوء الخاتمة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سَبْعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ فَيُضَارُّ فِي الْوَصِيَّةِ، فَتَجِبُ لَهُ النَّارُ"(رواه أحمد).
كذلك السرقة، والغصب، والرشوة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِي"، وقال: "الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي النَّارِ"(رواه أبو داود).
والغش التجاري، والتلاعب بالعقود، والربا، والتطفيف في الكيل والميزان، قال -سبحانه-: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ)[المطففين: 1-5]؛ فمن بخس أو سرق أو غش في ريال؛ كمن فعل في مليون ريال، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حُرِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأُوجِبَ لَهُ النَّارَ" فقال رجل: وإن شيء يسير؟ قال: "وَإِنْ قَضِيبٌ مِنْ أَرَاكٍ"(رواه مسلم).
وأعراضكم حرام؛ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ولو بكلمة، قال -صلى الله عليه وسلم- لأم المؤمنين عائشة لما اغتابت صفية: "لَقَدْ قُلْتُ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمُزِجَتْهُ"(رواه أبو داود والترمذي)، والنميمة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّام"(رواه مسلم).
والقذف، قال -سبحانه-: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[النور: 4].
وكذلك يقع الظلم في التطبيقات الذكية والمواقع الإلكترونية بتغيير المعلومات وتعديلها دون إذن صاحبها، ومنع أشخاص من حقهم في التقديم لوظيفة وحرمانهم من بعض المستحقات، والتعدي على خصوصيات الناس، والاستغلال والتحيز.
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
كيف يكون التبرؤ والتحلل والتوبة من الظلم؟
الظلم لا تُمحوه دمعة، ولا يرفعه ركعات؛ التوبة من الظلم في الأموال: تكون برد المال بعينه إن كان موجودًا، أو رد بدله إن تلف، أو طلب المسامحة من صاحبه إن تعذّر الرد، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ كَانَتْ عِندَهُ لأَخِيهِ مَظْلِمَةٌ فَلْيَتَحَلَّلْهَا الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ"(رواه البخاري)، أما إن مات صاحب المال؛ فيُرد المال إلى ورثته؛ فإن جُهلوا، يُتصدق به عنه.
والتوبة من الظلم في الأعراض؛ بالدعاء للمغتاب والاستغفار له، والثناء عليه في المجالس التي اغتيب فيها، ولا يُشترط إخباره إذا كان الإخبار يؤدي إلى مفسدة أكبر، أما القذف أو التشهير؛ فبإظهار براءة المظلوم بقدر ما أُسيء إليه، والاعتذار وطلب العفو إن أمكن بلا مفسدة.
وأخيرًا؛ فعلى الظالم الإكثار من الحسنات حتى يعوّض ما سيؤخذ منه يوم القيامة إن لم يعف صاحب الحق؛ لأن المظلوم يأخذ من حسنات الظالم يوم القيامة، قال -صلى الله عليه وسلم- في المفلس: "إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فُطْرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ"(رواه مسلم).
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه؛ فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.
اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم