عناصر الخطبة
1/مزايا اختص بها رمضان وفضل الصيام فيها 2/تنبيهات مهمة لعموم الأمة.اقتباس
إِنَّ رَمَضَانَ فُرْصَةٌ لِلتَّوَبَةِ إِلَى اللهِ -تَعَالَى-، وَالإِقْبَالِ عَلَيْهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، حَيْثُ إِنَّ الظُّرُوفَ مُهَيَّئَةٌ لِذَلِكَ؛ فَأَبْوَابُ الجَنَّةِ مَفَتَّحَةٌ وَأَبْوَابُ النِّيرَانِ مُغْلَقَةٌ، وَأَعْدَاؤُنَا الشَّيَاطِينُ قَد...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:
فَيَا -أَيُّهَا الصَّائِمُونَ- هَنِيئًا لَكُمْ بُلوغَ رَمَضانَ، وَأَسْأَلُ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَجْعَلَنَا جَميعًا مِمَّنْ صَامَه وَقَامهُ عَلَى الوجْهِ الذِي يُرضِيهِ عَنَّا، وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّكُمْ تُعَامِلُونَ رَبًّا كَرِيمًا وَتَعْبُدُونَ إِلَهًا عَظِيمًا؛ فَقَدْ فَرَضَ عَلَيْنَا صِيَامَ الشَّهْرِ لِنَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ، وَلِيَجَازِيَنَا أَفْضَلَ الجَزَاءِ.
إِنَّ رَمَضَانَ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْنَا فِيهِ بِفَضَائِلَ وَهِبَاتٍ لَيْستْ فِي غَيرهِ مِنْ شُهورِ السَّنَةِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَفِي رِوَايَةِ؛ "أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ"(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَقَالَ الْأَلْبَانِيُّ: حَدِيثٌ جَيِّدٌ لِشَوَاهِدِهِ).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ رَمَضَانَ فُرْصَةٌ لِلتَّوَبَةِ إِلَى اللهِ -تَعَالَى-، وَالإِقْبَالِ عَلَيْهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، حَيْثُ إِنَّ الظُّرُوفَ مُهَيَّئَةٌ لِذَلِكَ؛ فَأَبْوَابُ الجَنَّةِ مَفَتَّحَةٌ وَأَبْوَابُ النِّيرَانِ مُغْلَقَةٌ، وَأَعْدَاؤُنَا الشَّيَاطِينُ قَد رُبِّطُوا؛ فَلَا يَصِلُونَ مِنَّا إِلَى مَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ شَهْرِ رَمَضانَ؛ فَلْنُعَاهِدِ اللهَ عَلَى التَّوْبَةِ، وَلْنُقْلِعْ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، وَنَعْزِمْ عَلَى عَدَمِ العَوْدَةِ إِلَيْهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الأَدِلَّةُ الحَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ عَلَى الفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ، قَالَ اللهُ -تعالى- فِي وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)[الإنسان: 8-9]؛ فَبَذْلُ الْمَالِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمُعْسِرِينَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ وَقُرْبَةٌ إِلَىٰ رَبِّنَا -عز وجل-، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ تَفْرِيجِ الْكُرُوبِ وَنَيْلِ الْأَجْرِ مِنَ اللهِ -تعالى-، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَىٰ مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"(رواه مسلم).
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ"(متفق عليه).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَإِنَّ مِمَّا يَحْذَرُهُ الْمُسْلِمُ فِي صَدَقَتِهِ أُولَئِكَ الطَّائِفَةَ الَّتِي جَعَلَتِ التَّسَوُّلَ مِهْنَةً لَهَا، حَتَّىٰ إِنَّهُمْ عُرِفُوا بِذٰلِكَ، وَتَرَكُوا طُرُقَ الْكَسْبِ الْحَلَالِ، وَتَعَطَّلُوا عَنِ الْعَمَلِ، فَلَا تَتَعَاطَفْ مَعَهُمْ، وَابْحَثْ فِي أَقَارِبِكَ وَجِيرَانِكَ، وَتَفَقَّدِ الْمُحْتَاجِينَ بِنَفْسِكَ، مِمَّنْ قَالَ اللهُ -تعالى- فِيهِمْ (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)[البقرة:273]، وَخَاصَّةً مَنْ كَانَ لَهُمْ حَقٌّ كَالْقَرِيبِ وَالْجَارِ، يَقُولُ -تعالى-: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)[الإسراء: 26]، وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَىٰ ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ"(رواه الترمذي وصححه الألباني).
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: اعْلَمُوا أَنَّ رَمَضَانَ لَيْسَ شَهْرَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، بَلْ هُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ وَالْعَزِيمَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَىٰ هٰذَا أَلَّا نَأْكُلَ وَلَا نَشْرَبَ، بَلْ نَأْكُلُ وَنَشْرَبُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ -رضي الله عنهم- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- "كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا مَا لَمْ يُخَالِطْ إِسْرَافٌ وَلَا مَخِيلَةٌ"(رواه أحمد وحسنه الألباني).
وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ التَّبَاهِي فِي مَوَائِدِ الْإِفْطَارِ، وَكَثْرَةِ الْأَصْنَافِ، وَزِيَادَةِ كَمِّيَّاتِ الطَّعَامِ عَنِ الْحَاجَةِ فِي الْبُيُوتِ أَوْ مَوَائِدِ الْإِفْطَارِ الْخَيْرِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِهَدْيِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَهُوَ مِنَ الْإِسْرَافِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، يَقُولُ اللهُ -تعالى-: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[الأعراف: 31].
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ، ذِي الطَّوْلِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْهَادِي الْبَشِيرِ وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّهُ مِنَ المعلومِ لديكمَ -أيها الفُضَلاءُ- أَنَّ الدَّوائرَ الحكوميةَ وَالمؤسساتِ الأهليةَ والمدارسَ النظاميةَ مُستمرةٌ في رَمضانَ، وَلذلكَ نُنبهُ إِلى أن الصيامَ لا يُسوِّغُ التقصيرَ في الانتظامِ الدراسيِّ للطلابِ، أوِ التَّهاونَ فِي أِداءِ الواجباتِ الوَظِيفِيَّةِ للموظفينَ، فالمسلمُ مأمورٌ بالجدِّ وَالاجتهادِ وِإتقانِ عِملهِ فِي جَميعِ أَحْوالهِ، فَعَنْ عَائشةَ رَضِي اللهُ عنْها أن النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عَمِلَ أَحَدُكم عَمَلاً أن يُتقِنَه"(رَواهُ أَبُو يَعْلَى وَحَسَّنَهُ الأَلبانيُّ).
أَعَانَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمُ عَلَى طَاعَتِهِ وَعَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُ أَحْسَنَهُ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ لا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّءَ الأَخْلاقِ لا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْت، اللَّهُمَّ جَنِّبْ بِلادَنَا الْفِتَنَ وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن الغَلَا وَالوَبَا وَالرِّبَا وَالزِّنَا وَالزَلازِلِ وَالفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والْمُسْلمينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، اللهم احْمِ حَوْزَةَ الدْينِ، اَللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَأْنَ بِلَادِ المسْلِمِينَ وَاحْقِنْ دِماءَهُم، وَوَلِّ عَلَيْهِمْ خِيَارَهُمْ وَاكْفِهِمْ شَرَّ الأَشْرَارِ وَكَيْدَ الكُفَّارِ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ إِمَامَنَا خَادِمَ الحَرَمَينِ الشَّرِيفَينِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ بِطَانَتَهُمْ وَوُزَرَاءَهُمْ يَا رَبَّ العَالمَينَ.
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالْحَمْدِ للهِ رَبِّ العَالَمِينْ.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم