عناصر الخطبة
1/أهمية مدارسة العلم النافع 2/علامات الساعة العشر الكبرى 3/دلالات أشراط الساعة الكبرى والصغرى 4/من مراحل الإيمان باليوم الآخر.اقتباس
فإذا جاء أمر الله -جل وعلا- أمر الله الشمس أن تخرج من حيث غربت. فلا يفجأ الناس في ذلك الوقت إلا والشمس تظهر عليهم من حيثما غربت، فعندئذٍ يذهب الكافرُ يُريد أن يؤمن ولا ينفعه إيمانه، ويذهب العاصي والفاجر يُريد أن يتوب ولا تنفعه توبته...
الخطبة الأولى:
الحمد لله؛ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)[الأنعام: 1]، و(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا)[الكهف: 1]، و(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)[الأعراف: 43].
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدُهُ لا شَرِيكَ لَهُ شهادةً نرجو بها النجاةَ والفلاح في الدنيا والآخرة، وَأَشْهَدُ أَنَّ نبينا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، عبده المُصطفى، ونبيه المُجتبى، بلَّغ الدين الحنيف، وأظهر الحُجَّة، وأقام المحجَّة فلم يمت إلا وقد أتم الله -عَزَّ وَجَلَّ- به النعمة ورضي علينا به الإسلام دينًا وملة، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آلهِ وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ أيها الناس: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من دينكم الإسلام بالعُروةِ الوثقى فإن أجسادنا على النارِ لا تقوى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].
عباد الله: ثبت في صحيح مُسلم بسندهِ عن حُذيفة بن أسيد الغفاري -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- قال: كنا نتذاكر فاطلع علينا النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فقال: "ما تذاكرون؟"، قلنا نتذاكر الساعة يا رسول الله، قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات"، فذكر "طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابةِ على الناس ضُحى، والدخان، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، والمسيح الدجَّال، وثلاثة خسوف: خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ في هذه الجزيرة، وآخر ذلك: نارٌ تخرجُ من قعرِ عدن تطرد الناس إلى محشرهم"، وفي رواية : "تسوق الناس إلى محشرهم".
هذا -يا عباد الله- حديثٌ عظيمٌ جليل يأخذ بقلوب أهل الإيمانِ أخذًا، ويرعبهم إرعابًا، وما ذلك إلا من خشيتهم لربهم -سبحانه- وتقواه ومخافته.
اطَّلع النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- من مكانٍ عالٍ على الصحابة وهم يتحدثون، لم تشغلهم الدنيا ولا أموالها، ولا زينتها، ولا نساؤها، وإنما كان حديثهم عن الساعة، فقال لهم -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "إنها لن تقوم": أي قيام الساعةِ الدالُّ على انقضاءِ الدنيا وإقبال الآخرة في حياتها الأبدية السرمدية، "لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات": هذه الآيات العشر هي علامات الساعة الكُبرى؛ (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)[محمد: 18].
ولما سأل جبريل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِمَا وَسَلَّمَ- قال: يا محمد! أخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائِل"، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ أي عن علاماتها؛ فذكر -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- في حديث حذيفة هذا علامات الساعة العشر الكُبرى؛ ذكر طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الله أجرى سُنته الكونية أن الشمس إنما تخرج من المشرق وتغربُ في المغرب.
فإذا جاء أمر الله -جل وعلا- أمر الله الشمس أن تخرج من حيث غربت. فلا يفجأ الناس في ذلك الوقت إلا والشمس تظهر عليهم من حيثما غربت، فعندئذٍ يذهب الكافرُ يُريد أن يؤمن ولا ينفعه إيمانه، ويذهب العاصي والفاجر يُريد أن يتوب ولا تنفعه توبته؛ (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيرًا)[الأنعام: 158].
وذكر -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- ثانيًا بعد طلوع الشمس من مغربها خروج الدابةِ على الناسِ ضُحى، وهذا ما نوَّه الله عنه في سورة النمل في قوله -جل وعلا-: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ)[النمل: 82]، دابةٌ ستخرج من مكةَ المُكرمة، الله أعلم بكيفيتها وحالها تُخاطب المؤمن باسم الإيمان، وتُخاطب الكافر باسم الكُفر؛ فيتعارفان بهذا الخطاب لما خاطبتهم هذه الدابة.
العلامة الثالثة: خروج الدخان، وهو دخانٌ عظيم يغشى الناس أن يعمهم، والله أعلم بكيفيته هل هو غازٌ أو إشعاعٌ أو غبارٌ نووي أو غير ذلك، إنما هو دخانٌ في كل ما تحمله هذه الكلمة في لغة العرب من معانيها، وخروج الدخان -يا عباد الله- علامةٌ من علامات الساعةِ الكُبرى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)[الدخان: 10-11].
من علاماتها أيضًا -يا عباد الله- خروج الدجال، وهو شرُّ غائِبٍ يُنتظر والساعةُ أدهى وأمَرُّ، والدجال -يا عباد الله- ما من نبي إلا وحذّر أُمّته منه لأنه أعظم الفتنِ وأشنعها وأفظعها من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة.
من علاماتها أيضًا خامسًا: نزول عيسى ابن مريم، ينزل عيسى ابن مريم -عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- واضعًا يده على جناحِ ملك إذا طأطأ رأسه قطَّر من الجنة، وإذا رفعه تحدَّر منه جُمانٌ كاللؤلؤ على المنارةِ البيضاءِ شرقي دمشق، فيقتل عيسى المسيح الدجال بعدما يسمع بهِ الدجال فيهرب فيُدركه عيسى في باب لُد فيقتله برُمحهِ يطعنه في لُبَّتهِ، فيُري الناسَّ أثر دمه ويُريحهم من شره.
العلامة السادسة -يا عباد الله- إيذان الله -جل وعلا- بخروجِ يأجوج ومأجوج، قومٌ كفارٌ مُشركون وثنيون، كثيرون في عددهم، خطيرون في شرهم وقُبحهم، يملؤون الأرض ظلمًا وفسادًا.
هؤلاءِ القوم خروجهم من علامات الساعةِ الكُبرى بأن يوحي الله -جل وعلا- إلى عيسى ابن مريم أني أخرجت عبادًا لي لا يدانِ لأحدٍ بهم؛ فحرِّز عبادي إلى الطور؛ (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ)[الأنبياء: 96-97]، أتدرون ما الوعد الحق يا عباد الله؟ إنه قيامُ الساعة.
نفعني الله وَإِيَّاكُمْ بالقرآن العظيم، وما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله كما أمر، أحمد -سبحانه- وقد تأذَّن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مُقرًا بألوهيته وربوبيته، ومؤمنًا بأسمائِه وصِفاته، مراغمًا بذلك من عاند بهِ أو شكَّ أو جحد أو كفر، ونُصلي ونُسلِّم على سيد البشر الشافع المُشفَّع في المحشر صلى الله عليه وعلى آلهِ وأصحابه السادةِ الغُرر خير آلٍ ومعشر ما طلعَ ليلٌ وأقبل عليهِ نهارٌ وأدبر.
أما بعدُ عباد الله: فاتقوا الله حق تُقاته واستعدوا لقيامتكم، واعلموا أن أشراط الساعةِ الكبرى والصغرى أنها من مراحل الإيمانِ باليوم الآخر.
من علامات الساعة العلامة السابعة والثامنة والتاسعة: ثلاثةُ خسوفات عظيمة تُغيِّر الأرض، وتهيؤها ليوم القيامة؛ (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)[إبراهيم: 48]، وأولها خسفٌ عظيمٌ في مشرق هذه الجزيرة إلى بحر اليابان يُغيِّر الله -جل وعلا- به معالم هذه القشرةِ الأرضية، وثانيها: خسفٌ آخر عظيمٌ من غرب هذه الجزيرة إلى المحيط الهادي، وثالثها: خسفٌ يتعلَّقُ بهذه الجزيرة يُهيأ الله -جل وعلا- بها الأرض إلى يوم القيامة.
ويوم القيامة -يا عباد الله- تغدو هذه الأرض كأنها خُبزة ليس فيها ارتفاعاتٌ ولا انخفاضات، وليس فيها سُهولٌ ولا جبال، وإنما هي ككفّ أحدكم كالخُبزةِ الواحدة، وآخر هذه العلامات -يا عباد الله- نارٌ تخرج من بحرِ عدن.
وفي رواية: "من قعرِ عدن تطرد الناس إلى محشرهم"، تسوقهم إلى أرض الشام تقيلُ معهم حيث قالوا وتبيتُ معهم حيث باتوا، فإذا جمعتهم في أرض الشام بعث الله -جل وعلا- الريح الطيبة وآذن -جل وعلا- بقيام الساعة.
ثم اعلموا -عباد الله- أن أحسن الحديثِ كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم عباد الله بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، ولا يأكل الذئب إلا من الغنم القاصية.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم اللهم تسليمًا.
اللهم عزًا تعز به أولياءك وذلا تذل به أعداءك، اللهم أبرم لهذه الأُمةِ أمرًا رشدًا، يُعز فيهِ أهل طاعتك، ويُهدى فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيهِ بالمعروف ويُنهى فيهِ عن المنكر يا ذا الجلالِ والإكرام.
اللهم وفق ولي أمرنا بتوفيقك، اللهم خذ بنواصيهم إلى البر والتقوى، اللهم اجعلهم عزًّا لعبادك وأوليائِك المؤمنين ونُصرةً لدينك، وذلاً على أعدائك يا رب العالمين، اللهم من ضارنا أو ضارَّ المُسلمين أو أراد بنا مكرًا أو سوءًا اللهم فأشغلهُ بنفسه واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا يا سميع الدعاء يا ذا الجلالِ والإكرام.
اللهم اغفر للمُسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم غيثًا مُغيثًا هنيئًا مريئًا سحًا طبقًا مُجلِّلاً، اللهم سُقيا رحمة لا سُقيا عذابٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ ولا نصب، اللهم إنك ترى ما بنا من الحاجة، اللهم فارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، اللهم ارحم هؤلاء الشيوخ الركَّع، وهؤلاء البهائِم الرُّتَّع، اللهم أنزل علينا من خيرك وفضلك يا خير المنزلين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرةِ حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90]، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم