كم من كلمة قالت لصاحبها دعني!

د. منصور الصقعوب

2026-04-17 - 1447/10/29 2026-04-28 - 1447/11/11
عناصر الخطبة
1/قصة وعبرة 2/إمساك اللسان عن الكلمة السيئة 3/التحذير من عواقب الكلمة السيئة 4/أسوأ الكلمات وأشنعها 5/كلمات تهوي بصاحبها في أسفل سافلين.

اقتباس

جماع القول يا مُوفّق: هذا اللسان لا تُخرج منه كلمة إلا وقد علمتَ أنها تُكسِب أجراً، تبني قِيَماً، تشدّ عزماً، تَحقن دماً، تَدرأ خلافاً، وإياك أن تتلجلج الكلمة في نفسك، فتطلقها لترتاح، فيكون فيها عطبك، إن في الدنيا، وإن في الآخرة....

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله....

 

قدم معاوية المدينة بعدما استتب له الأمر في الخلافة، وكان في المدينة حينها أفاضلُ الصحابة، وممن كان فيها الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب، هذا الصحابي كان الناس يرونه من أحقِّ الناس بالخلافة، لكنه كان أبعدَ ما يكون عن كل أمرٍ فيه نزاع، جاءت إليه الجموع، وقالوا له: أنتُ سيد الناس، وابن سيدهم، والناس بك راضون، اخرج نبايعك.

 

فقال: "لا والله لا يُهراق بسببي محجمةٌ من دم ما كان فيّ روح".

قال الذهبي: كاد أن تنعقد البيعة له يومئذ، مع وجود مثل الإمام علي وسعد بن أبي وقاص، ولو بُويع، لما اختلف عليه اثنان، ولكن الله حماه، وخارَ له.

 

قام معاوية خطيباً في المدينة فقال: "مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الأَمْرِ فَلْيُطْلِعْ لَنَا قَرْنَهُ، فَلَنَحْنُ أَحَقُّ بِهِ-أي بالخلافة- مِنْهُ وَمِنْ أَبِيهِ".

 

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَلَلْتُ حبْوَتِي، وَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ: أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْكَ مَنْ قَاتَلَكَ وَأَبَاكَ عَلَى الإِسْلاَمِ، قال: "فَخَشِيتُ أَنْ أَقُولَ كَلِمَةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ، وَتَسْفِكُ الدَّمَ، وَيُحْمَلُ عَنِّي غَيْرُ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِي الجِنَانِ، فسكتُّ"(رواه البخاري).

 

لك أن تتصور لو أن ابن عمر قال تلك الكلمة ولم يُبقها في صدره، كم من أمرٍ سيترتب عليها!

كم من دمٍ سيُسْفَك، وسيف سيُرْفَع نصرةً لهذا أو لهذا!

لكن ابن عمر كتم تلك الكلمة في صدره، وأمسكها فلم يَقُلها حفظاً للصف وحقناً للدم وطلباً للثواب الأخروي.

 

إنه موقف جديرٌ بأن نتأمله ونفيد منه، في زمنٍ ربما رأيت مَن يقول الكلماتِ لا يُلقي لها بالاً، ومن يقول: الكلمة التي في صدرك أَخْرجها، ابدأ بالكلمة التي تُغْضِب، وليس هذا بصواب على كل حال.

 

لقد كانت مجرّد كلمةٍ، ولكن كم من كلمةٍ ربما عصفت بأُمة.

لئن كان من الكلمات ما يبني أملاً ويرفع همّة فإن من الكلمات ما يكون بضد ذلك.

وكم من كلمة قالت لصاحبها دعني.

 

لأجل كل هذا فثمة كلماتٌ ينغي أن تُحْبَس في النفس فلا تُقَال، تمسكها لأجل مصلحة أكبر من النطق. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.

 

لئن كانت "الكلمة الطيبة صدقة"؛ كما في الحديث الصحيح، فإن الكلمة السيئة سيئة وخطيئة.

 

الكلمة السيئة قد تكون نقصًا في الإيمان؛ فعن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هَجَر ما نهى الله عنه".

 

الكلمة السيئة مُنفرة، قال -تعالى-: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)[آل عمران: 159].

 

الكلمة السيئة مُفرِّقة للصفّ مُوهِنة للعزم. فإذا أردت أن تقول الكلمة فَزِنْهَا قبل أن تقولها.

 

كم من كلمة فتَّت في عزيمة عاملٍ للدين، كان حريصاً على الدعوة ونشر الخير، أو إعانة المحتاج ومساعدة الملهوف، فجاءه مَن يُثبّطه بمثل قول: ما لك وللناس، لا تَشغل نفسك بالآخرين، عليك إصلاحَ نفسك ودع الناس لرب الناس.

 

وقد كان الأجدر بمثل هذا إن لم يقل خيراً أو يُحفّز أخاه أن يسعه السكوت، فإن لم تكن للخير عاملاً، فكن مُحفِّزاً، كن للعامل داعياً، ولا تكن الرابعة فتخسر.

 

عباد الله: وكم من كلمة سببًا في انتكاسة مهتدٍ للخير، وإيقاعه في المعصية، وإضلاله عن الطاعة، وبعض الناس محروم، لا يكتفي بعصيان نفسه، بل يحرص أن يُوقع غيره معه في المعصية، فيا خسارة من كان لسانه داعية للضلال والعصيان

 

بل كم في المقابر من قتيل لسانه *** كانت تَهاب لقاءَه الشجعان

 

كم من شاعرٍ قال قصيدة فقُتل بسببها، وامرئ قال كلمة تسبَّب في خلافٍ بين زوجين، أو قطيعةٍ بين أخوين، أو خصومة بين عائلتين، وقد كان يسعه أن يقول خيراً يدرأ بها الخلاف، أو يصمت، لكنها مجرد كلمة.

 

وكم من كلمةٍ من التعيير والتنقص لو سكت عنها المتحدث لكان أولى، وقف أبو ذرٍ مع أخٍ له، وكانت أُمّه أعجمية فعيَّره بأمه، فشكاه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية"؛ إنها مجردٌ كلمةٍ لكنها جعلت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول له هذا القول الشديد.

 

وكم هي النفوس اليوم التي تحمل بين طياتها التنقص والازدراء والاحتقار للآخرين، وتتلفظ بذلك صريحاً أو تمليحاً، وتنطق بما قد يكون سبباً في الغضب للغير، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- للصحابة إثر كلمةٍ كادت تعصف بالناس، وتسبب قتالاً بين المهاجرين والأنصار «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ... دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».

 

وقد قيل: الكلمة كالرصاصة إن خرجت من فوهة السلاح فلن تعود، فإن خرجت في الوقت والزمان والمكان غير المناسب والشخص الذي لا يستحق ذلك، فقد تصيبه في مقتل لا يزول؛ لأن الجرح غائر بل قاتل.

 

عباد الله: وإذا أمسك المرء عما لا ينبغي أن يُقال من الكلمات التي تُورث الخلاف والخصومة والعداوات، فلينطلق بما يحقق الأُخوة ويُسعد المسلم، شُكر المحسن، تَشجيع العامل، جَبْر الخواطر، وصلى الله على المصطفى إذ قال: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".

 

وقال: "إن في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها"، فقالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات والناس نيام".

 

اللهم سَلِّم ألسنتنا وطيبها، ونَقِّ قلوبنا وأصلح فسادها...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده:

 

لئن كان من الكلمات ما يورث خلافاً، وقد يُغضِب مخلوقاً، أو يحطّم طموحه، فإن من الكلمات ما قد يغضب عنك رب الأرباب -جل جلاله-.

 

وأسوأ الكلمات كلمةُ الكفرِ والشرك والضلال، وفي التنزيل: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرض مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)[إبراهيم: 26]؛ إنها مجرد كلمة، ولكنْ بها قد يضل المرء، وقد يكفر، وقد يشرك، وقد يهوي في النار أبعد مما بين المشرقين.

 

وقف بعض الناس في تبوك فقال بعضهم لبعض: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا له: يا نبي الله ما كنا في شيء من أمرك ولا أمر أصحابك، إنما كنا في شيء مما يخوض فيه الركب، كنا في غير جد، فأنزل الله في إثرها: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ)[التوبة: 65- 66].

 

سبُّ الدين، الاستهزاء بالصالحين، وبشعائر الدين، القدح في النبي -صلى الله عليه وسلم- وأزواجه وصحبه الكريم، كلماتٌ ربما هوت بصاحبها في أسفل سافلين.

 

الغيبةُ والنميمة، الاستهزاء بالآخرين والسخرية، الكذب ولو لإضحاك القوم، كلماتٌ نعم، لكنها ثقيلةٌ في ميزان السيئات، لها مذاقٌ قد يستلذ، ولكن عاقبتها عاقبة السوء.

 

الشتم واللعن وما أكثر ما نسمعه، بين الأصحاب، وبين المتخاصمين، بل وربما حتى من الأبوين لأولادهم، فيورث ذنباً؛ إذ لعن المؤمن كقتله، ويورث سلوكاً سيئاً.

 

جماع القول يا مُوفّق: هذا اللسان لا تُخرج منه كلمة إلا وقد علمتَ أنها تُكسِب أجراً، تبني قِيَماً، تشدّ عزماً، تَحقن دماً، تَدرأ خلافاً، وإياك أن تتلجلج الكلمة في نفسك، فتطلقها لترتاح، فيكون فيها عطبك، إن في الدنيا، وإن في الآخرة.

 

وفي الصحيحين: "إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ"...

 

وصلوا وسلموا....

 

المرفقات

كم من كلمة قالت لصاحبها دعني!.doc

كم من كلمة قالت لصاحبها دعني!.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات