مدرسة الصوم

أ. د حسن بن محمد شبالة

2026-02-13 - 1447/08/25 2026-02-12 - 1447/08/24
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/رمضان مدرسة إيمانية ومحطة تربوية 2/آثار الصيام ومنافعه على أصحابه في الدنيا والآخرة 3/تخطيط الأعداء لإفساد رمضان على أهل الإيمان.

اقتباس

شهر رمضان هو مدرسة للتقوى، يتنافس العباد في هذه الفترة الزمنية القصيرة ليحصّلوا هذه الصفة العظيمة.. فمن اعتنى بأحكام الصيام، وربى نفسه على الانضباط عليها؛ فلن يخرج عنه رمضان إلا وقد زكت نفسه...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

عباد الله: اختص الله هذه الأمة بشهر رمضان، وما فيه من العبادات والأحكام والحِكَم، ليجعله مدرسة تربوية تصلح النفوس، وتزكي القلوب، وتوجد المسلم الصالح؛ هذه المدرسة التربوية مدتها ثلاثون يوماً، أو تسعة وعشرون يوماً، اختيرت احكامها بعناية؛ فإن أُخذ بها العبد؛ كما أمر الله ربّت نفسه وزكتها، وأوصلتها إلى مرحلة التقوى، وهي أعلى صفة يصل إليها المؤمن حينما يترقى في مدارج العبودية والكمال البشري، تلك الصفة التي أعد الله الجنة لأهلها؛ (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[آل عمران: 133].

 

فشهر رمضان هو مدرسة للتقوى، يتنافس العباد في هذه الفترة الزمنية القصيرة ليحصّلوا هذه الصفة العظيمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 183].

 

فمن اعتنى بأحكام الصيام، وربى نفسه على الانضباط عليها، فلن يخرج عنه رمضان إلا وقد زكت نفسه وتطهر قلبه، وحصل على جائزة المغفرة التي وعدها الله سبحانه لمن انشغل بالصيام والقيام في هذا الشهر الكريم.

 

وفي رمضان: يتخلص الإنسان بصيامه وعباداته وصلاته وقيامه من عدد كبير من الأخلاق السيئة، ويتدرب على عدد كبير من الأخلاق الحسنة، ومن ذلك أن الصيام يربي صاحبه على الإخلاص؛ فحقيقة الصيام فيها معنى الإخلاص، ولذلك جعل الله -سبحانه وتعالى- الصوم له من سائر العبادات، قال -صلى الله عليه وسلم-: قال الله في الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به".

 

ما معنى إلا الصوم فإنه لي؟

الجواب: فيه معنى الاختصاص، وذلك لأن باقي العبادات يمكن أن ترائي فيها؛ تتصدق ليراك الناس، تصلي ليراك الناس، تحج ليراك الناس، تذكر الله ليراك الناس، أما الصوم فإن الرياء فيه عسير؛ فالصوم يتحقق فيه معنى الإخلاص، والرياء فيه صعب، ولذلك جعل الله أجره عظيماً؛ فهو يربي في المؤمن خاصية الإخلاص، وهي الغاية التي أمر الخلق بالعبادة من أجلها: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)[البينة: 5].

 

وكذلك الصيام: يربي صاحبه على مجاهدة النفس في طاعة الله -سبحانه وتعالى-، فالصائم يجاهد نفسه على طاعة الله -سبحانه وتعالى- في باب فعل المأمورات وترك المنهيات. ففي باب فعل المأمورات هو محتاج إلى أن يؤدي ما أمره الله به حتى يكتمل صومه، وفي باب مجاهدة النفس في المنهيات؛ فهو يحرم نفسه مما نهى الله ليقبل صومه.

 

فالصائم يحرص كل الحرص ألا يُدخل إلى جوفه شيء من الطعام أو الشراب مهما قلّ، بل لا يقترب من المطعومات والمشروبات وهي مباحة له في غير رمضان، وهو بهذا يجاهد نفسه على ترك المباح ليربيها على ترك الحرام في غير رمضان، ولذلك قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)[العنكبوت: 69].

 

ويستمر يجاهد نفسه ثلاثين يوماً من الصباح إلى الليل، ومن الليل إلى الفجر في فعل الطاعات وامتثالها، وترك المعاصي والمفطرات واجتنابها، وبهذا يمكنه ترويض النفس على المجاهدة طيلة السنة.

 

وكذلك الصيام: يربي صاحبه على ضبط الشهوات المتعددة في نفسه، فالإنسان مليء بالشهوات؛ لديه شهوة الطعام والشراب، وشهوة الفرج، وشهوة الغضب، وشهوات متعددة أودعها الله في لإنسان ابتلاءً له واختباراً: هل يتحكم فيها فيكون عبداً صالحاً لله، أم لا يستطيع فيكون حاله كحال الحيوان؟ فالصائم يضبط شهوته، فيمنع نفسه من شهوة الطعام والشراب، والجماع، والنظر إلى الحرام؛ فإذا تعوّد على ذلك في شهر رمضان خلال ثلاثين يوماً فبإذن الله -سبحانه وتعالى- ستتعود نفسه في باقي الشهور، ويكون عبداً من عباد الله الصالحين.

 

وقد جاء في الحديث: "كل عمل ابن آدم يضاعف له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، إلا الصوم فإنه لي، يدع الصائم شهوته وطعامه من أجلي"؛ انظر إلى أجر وثمرة ضبط الشهوات؛ ففي باقي العبادات يمنحك الله سبعمائة ضعف، لكن الصوم لا يوجد عدد محدد، بل تُعطى أجوراً بغير حساب ولا عدد، من الكريم الجواد -سبحانه وتعالى-.

 

كما أن الصيام: يربي صاحبه على ضبط نفسه والتحكّم في أخلاقه وتحمّل الأذى، ويجعل الإنسان منضبطاً في أخلاقه وفي تعاملاته مع من حوله وقد جاء في الحديث: "إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث" -والرفث الكلام المتعلق بالشهوة والفروج- "ولا يصخب" - والصخب رفع الصوت والصياح وقلة الأدب مع الآخرين- "فإن سابّه أحد أو قاتله - ضاربه أو نازعه- فليقل: إني امرؤ صائم". فلا يرد السيئة بمثلها، بل يحتج على تركها بالصوم، لأن الصوم يمنع صاحبه من الأفعال والأقوال التي تؤذي الآخرين.

 

وهكذا؛ فإن الصائم يتدرب على هذه الأخلاق شهراً كاملاً؛ فيؤدي ذلك أن يكون إنساناً متزناً في أخلاقه اليومية بعيداً عن الحمق والسب والشتم والأذى للآخرين.

 

كما أن الصيام: يربي صاحبه على الصبر، وقد اجتمع في الصيام أنواع الصبر الثلاثة، وهي: الصبر على طاعة الله، والصبر عن المعاصي، والصبر على الابتلاءات، فالصوم يحتوي على هذه الأنواع الثلاثة من الصبر؛ فمن صبر على الصيام، وعلى القيام، وعلى أداء الصلوات في أوقاتها، على الذكر، وعلى قراءة الورد القرآني اليومي؛ فهذا كله صبر على طاعة الله. ومن صبر على الجوع والعطش والتعب، فهذا صبر على الابتلاءات، ومن صبر عن المفطرات والمحرمات، فهذا صبر عن المعاصي. فاجتمع في الصوم أنواع الصبر الثلاثة، ولذلك سمّاه النبي -صلى الله عليه وسلم- شهر الصبر؛ لاجتماع أنواع الصبر الثلاثة فيه.

 

كما أن الصوم: يربي صاحبه على الجود والكرم والبذل والعطاء؛ ففي شهر رمضان تكثر الصدقات والخيرات، فهناك من الناس يفطّر الصائمين، ومن الناس يتصدق بالمال والعطايا، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ كما في حديث ابن عباس أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يأتيه جبريل فيدارسه القرآن؛ فشهر الصوم هو شهر الجود والكرم والبذل والعطاء؛ لأن الصوم يضيّق مجاري الشيطان في النفس فتندفع إلى البذل والعطاء، ويقل فيها الشح والبخل.

 

والصيام -أيضاً-: يربي على عفة الفروج، قال -صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". فالصوم يضيّق مجاري الشيطان في الدم، ويقلل من وساوس الشيطان الذي يوسوس للإنسان كي يرتكب المعاصي والمحرمات ويهيج شهوته في الحرام.

 

كما أن الصيام: يربي صاحبه على سلامة الصدر، وترك الحقد والحسد والغل، قال -صلى الله عليه وسلم-: "صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر"؛ فمن اعتاد على هذا العمل ذهب عنه وحر الصدر وهو حقده وغيظه؛ فالصوم يطهر القلب من الحقد والحسد والغل، ويربي فيه التقوى والقرب من الله -تعالى-.

 

كما أن الصيام: يربي صاحبه على قوة الإرادة والعزيمة في تغيير طبائعه وعاداته السيئة. فمن كان عنده عادة سيئة مثل شرب الدخان؛ فإن الصوم يمنعه عنها طول النهار فليمتنع عنها طوال الليل وليستمر على هذه العزيمة في الليل.

 

كما أن شهر رمضان: يحوّل الإنسان من شخص لا يعرف حقوق الله إلى شخص يعرف حقوق الله؛ فيحافظ على الصلاة، ويصلي التراويح ويذكر الله، ويقرأ القرآن ونحوها من الطاعات؛ فهذا التغيير الذي حصل في النفس في شهر رمضان اجعله دائماً، وعوّد النفس عليه؛ فكل العبادات التي تعملها في رمضان موجودة في غير رمضان، فاستمر ولو بالحد الأدنى منها وستجد أنك ستصلح وتتحول من شخص سيء قاطع للصلاة وتارك للفرائض وعاق للوالدين إلى شخص صالح مستقيم مع الله، ثم مع خلقه.

 

كما أن الصيام: يربي صاحبه على ترك المعاصي والمنكرات، قال -صلى الله عليه وسلم-: "من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"؛ فالصوم ليس مجرد أن تمتنع عن الأكل والشراب فقط بل لابد من الامتناع عن الحرام، وعن قول الزور، والكلام السيء.

 

ويا ليت شعري ما حال أولئك الذين يتحرجون ويسألون، عن حكم ابتلاع النخامة وهو صائم، ثم يغفلون عن ابتلاع آلاف الريالات رشوة، وابتلاع حقوق الآخرين، واكل أموالهم بالباطل!!!

 

وهذا يدل على أن هذا الانسان لم يفكر في معنى الصوم الحقيقي؛ فالصوم يحتاج إلى أن تصوم عن الطعام والشراب، ولكن أهم من الصوم عن الطعام والشراب صم عن حقوق الناس، وعن أموالهم، وعن أعراضهم، وهذا هو السبب في أن صيام البعض لا ثمرة له في تزكية نفسه؛ ينتهي رمضان وحاله كما دخل فيه من الأخلاق السيئة والمعاصي والمنكرات، لأنه لم ينتبه للمفطرات الأخرى التي تعود عليها طيلة العام؛ فتذكروا: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه"، وقظ ذكر قول الزور كنموذج للمعاصي ويقاس عليه جميع أنواع المعاصي، من لم يدعها فلا حاجة لله أن يدع الطعام والشراب.

 

والصوم: يربي في الصائم معنى الفرح الممدوح؛ فإن الناس يفرحون بزهرة الدنيا ومتاعها الذي يقع في أيديهم، ولكن الصوم يربي في الصائم الفرح المشروع الممدوح. قال -صلى الله عليه وسلم-: "للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه"؛ فهذا هو الفرح الممدوح؛ وانظر إلى حال نفسك وقد قضيت يوماً مليئاً بالطاعة والعبادة والابتعاد عن المعاصي بل كنت صائماً ذاكراً، ثم تضع بين يديك الإفطار وتفطر، كيف شعورك وفرحك بذلك.

 

وصحيح أن النفس تفرح بالطعام من شدة الجوع، أولكن المسلم الحق يحوّل فرح النفس بالطعام إلى فرح بالطاعة؛ فقد قضيت يوماً في طاعة الله، وامتلأ فيه رصيدك من الحسنات، فإذا قابلت الله -سبحانه وتعالى- يوم القيامة ووجدت ثواب صومك؛ فإنك تفرح بأنك صمت، وتتمنى لو أنك صمت الدهر كله لما في الصيام من الأجر والثواب عند الله.

 

كما أن الصيام: يقف مع القرآن في المحشر ويشفعان وينافحان عن صاحبهما وفي الحديث يأتي الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما يوم القيامة؛ يقول الصوم: "منعته الطعام والشراب في النهار"، ويقول القرآن: "منعته النوم في الليل، فشفعنا يا ربنا فيه"؛ فيشفعان فيه فيدخل الجنة، وهذا هو الفرح الحقيقي الذي يجب أن ينتبه له المسلم من الآن.

 

كما أن الصوم: يربي في الصائم الانضباط؛ فالنفس عموماً تحب الفوضى، وتحب المزاجية، ولا تريد أن تنضبط؛ فيأتي الصوم فيعلمنا الانضباط خلال ثلاثين يوماً ننضبط في الافطار والامساك في زمن محدد فممنوع تأكل الطعام إذا سمعت المؤذن للفجر وهذا انضباط، وتفطر في المغرب عندما تسمع الأذان هذا انضباط، وهكذا.

 

فيا من انضبطت بالإمساك عند الفجر، وانضبطت بالإفطار عند المغرب، لماذا لا تنضبط في أداء الصلوات في أوقاتها؟ (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً)[النساء: 103]؛ لماذا الفوضى والتضييع للصلوات؟ لماذا الفوضى في المواعيد وحقوق الآخرين؟ فخذ من انضباطك في الإمساك والإفطار درساً لكي تنضبط في باقي معاملاتك مع الله ومع الخلق.

 

أخيراً؛ الصوم يربي في الإنسان الارتباط بالقرآن؛ شهر الصيام هو شهر القرآن؛ (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)[البقرة: 185].

 

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأتي إليه جبريل في كل رمضان يدارسه القرآن، حتى كان في السنة التي توفي فيها فدارسه القرآن مرتين؛ فشهر رمضان هو شهر القرآن، نتلوه، نتدبره، نعمل بأحكامه، ونأخذ منه درسا في علاقتنا بالقرآن؛ فيجب أن نستمر طوال العام بهذه العلاقة، ولو أن كانت قليلة المهم ألا يغيب عنا القرآن طيلة العام، وألا نكون من الذين هجروا القرآن وابتعدوا عن قراءته وتلاوته. ففي القرآن حياة للنفوس، وفي القرآن اطمئنان للقلوب؛ (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[الرعد: 28]، وأي ذكر أعظم من القرآن؟

 

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه؛ أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، -صلى الله عليه وسلم-، أما بعد:

 

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال الله: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)[النساء: 131]. فتقوى الله هي خير الزاد؛ كما قال: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)[البقرة: 197].

 

عباد الله: تلك هي آثار المدرسة الرمضانية على الفرد؛ تربي فيه الإخلاص والتقوى والانضباط والابتعاد عن المعاصي والجود والكرم، وحسن علاقته بالخلق، وحسن علاقته بالخالق، واستمراره على تلاوة القرآن، وتربي فيه ترك المحرمات والابتعاد عن الأخلاق السيئة، وتضبط أخلاقه، وتضبط سلوكه، وتضبط معاملاته، وتجعله فرداً صالحاً يعيش في سعادة في نفسه ويسعد غيره. فهذه هي ثمرة الصوم لمن دخل رمضان منضبطاً بأحكامه وتشريعاته.

 

ورمضان يغيّر العادات السيئة، ويربي في الإنسان الإقبال على الله، والإحسان إلى الخلق، ورمضان مدرسة جامعة للنفس بما تعنيه الكلمة، دورة تدريبية مكثفة لإرجاعها إلى الفطرة وربطها بالدار الآخرة، وغير ذلك من الثمار العظيمة التي يصعب سردها كلها في خطبة واحدة.

 

والجانب الآخر في مدرسة رمضان التربوية: أنه مدرسة لتربية الأمة؛ فأمة الإسلام تحتاج إلى تربية لتجمع شملها وتوحد صفها وتعالج مشكلاتها.

 

جاء رمضان ليكون مدرسة لتربية الأمة؛ كما ربى الفرد يربي الأمة؛ فالناس يصومون شهراً واحداً، يمسكون مع بعض، ويفطرون مع بعض؛ فهو شهر يجمع ولا يفرق، يوحد الصفوف ويقلل من الاختلافات بين الناس. جعله الله -سبحانه وتعالى- موسماً لاجتماع الأمة على عبادة واحدة؛ فإذا اجتمعت الأمة على عبادة واحدة اجتمعت قلوبها، وإذا اجتمعت قلوبها توحدت قوتها أمام أعدائها.

 

كما أن رمضان: يربي في الأمة العزة والنصر والتمكين؛ لأنها الأمة الشاهدة على الخلق؛ فهذه أمم الكفر تفسق وتعمل المنكرات، والأمة المحمدية تصوم لله وتقوم له؛ فهي الأمة الشاهدة التي أنيط بها إصلاح المجتمع الإنساني؛ (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)[آل عمران: 110].

 

ولو عدنا إلى تاريخ الأمة المسلمة حينما كانت تصوم صياماً صحيحاً، لوجدنا أنها كانت أمة العزة والنصر والتمكين. فرمضان عند سلفنا الصالحين لم يكن شهر النوم والكسل، بل كان شهر الجد والاجتهاد والانتصارات؛ غزوة بدر كانت في رمضان، وفتح مكة كان في رمضان، والقادسية كانت في رمضان، وحطين كانت في رمضان، وعين جالوت كانت في رمضان، وغيرها من المعارك الكبيرة بين الإسلام والكفر التي كانت في رمضان، وكان النصر حليفهم، لأن رمضان يجتمع فيه الجهاد بالسيوف وجهاد النفوس ودعاء الصائمين في مشارق الأرض ومغاربها للمجاهدين، فرمضان شهر الانتصارات والفتوحات.

 

ليت أمة الإسلام تعيد لنا هذا المفهوم اليوم وهي تقاتل من أعداء الإسلام؛ وانظروا ما يجري في فلسطين؛ فأعداء الإسلام يتجمعون لقتال المسلمين، والفئة المسلمة هناك محاصرة، وأمة الإسلام في سبات عميق، وإن كان هناك من الشعوب من تتعاطف بالمظاهرات أو بالدعاء ولكن هذا لا يكفي.

 

أيها المؤمنون: شهر رمضان -أيضاً-: يوصل رسالة إلى كل ظالم طاغية يأكل حقوق الناس؛ فأنت تصوم فتشعر بالجوع لعدة ساعات، وهناك من الناس من يشعرون بالجوع لسنوات لأن أموالهم وحقوقهم أخذت. فيا أيها الصائم الظالم استشعر جوعك بجوع الآخرين ورد المظالم إلى أهلها.

 

أيها المؤمنون: ولأن رمضان بهذه المكانة للفرد والأمة؛ فان أعداء الإسلام لا يتركون الامة تصوم؛ كما أراد الله لها، بل يعملون من شهور متعددة ويعدون العدة ليفسدوا على الناس صومهم؛ انظروا ما تنتجه وسائل الإعلام والقنوات الفضائية، حتى قنوات المسلمين؛ ينفقون ملايين الدولارات ليعدوا مسلسلات تفسد على الناس صومهم، وتضيع عليهم أوقاتهم في الليل، فلا يقومون للصلاة، ويفسدون عليهم الحسنات التي جمعوها طيلة النهار.

 

كم من قنوات فضائية؟ كم من مسلسلات هابطة؟ كم من مظاهر قبيحة؟ كم من جهود مضنية لإفساد الصائمين في شهر رمضان، حتى لا يؤثر الصوم في الأمة فتستقيم وتتوب وترجع إلى الله.

 

ومع هذا؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- يبطل أعمالهم: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[الأنفال: 30]، والله لا يصلح عمل المفسدين؛ فما زال هناك عدد كبير من الناس يتوبون، ويرجعون الى الله، ويستقيمون على دين الله رغم جهودهم الكبيرة لإفساد الناس.!

 

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يصلح أحوال المسلمين أجمعين في كل مكان.

 

هذا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد -صلى الله عليه وسلم- كما أمركم بذلك: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

 

المرفقات

مدرسة الصوم.doc

مدرسة الصوم.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات