عناصر الخطبة
1/مكانة المساجد وفضلها 2/آداب المسجد 3/النواهي المتعلقة بالمساجد 4/فضل عمارة المساجد ومنافعها الإيمانية والاجتماعية.اقتباس
وبالجملة -أيها المسلمون-؛ فإن المسلم مأمور بإجلال بيوت الله، والحرص على عدم إيذاء مرتاديها بأي نوع من أنواع الإيذاء، ومن ذلك إيقاف السيارات حولها بما لا يمكن الآخرين من المرور، وإلقاء...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].
أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله -تعالى-؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التوبة: 119].
أيها المسلمون: الصلاة من أحب الأعمال إلى الله بعد توحيده؛ ولذا كانت أماكن إقامتها هي أحب البقاع إليه -سبحانه-، قال -صلى الله عليه وسلم-: "أَحَبُّ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا"(رواه مسلم).
ولما كانت المساجد هي أحب البلاد إلى الله، كانت لها أحكام تخصها دون سائر الأماكن، وكان المسلمون مأمورين بأن يتأدبوا بما شرع لهم نحوها. ومن ذلك بناؤها وتطهيرها وتطييبها، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ"(رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني).
والمقصود بالدور التي تُبنى فيها المساجد هي الأحياء والأجزاء من البلد الواحد، فأُمر كل قوم مجتمعين في حي أو جهة ببناء مسجد يجتمعون فيه ويلتقون، ويقيمون الصلوات الخمس ويتعبدون، وأُمروا مع ذلك بالاهتمام بها، وتهيئتها بكل ما يرغب المصلين في إتيانها واللبث فيها، وإزالة ما يؤذيهم أو ينفرهم منها.
في صحيح مسلم عن أبي ذر -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي المَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ"(رواه مسلم).
وإذا كانت إماطة الأذى عن الطريق صدقة وهي من محاسن الأعمال، فإن المساجد أولى بأن يُماط عنها الأذى وأن تُصان عن كل ما لا يليق ولا يحسن، وذلك أعظم عند الله ثوابًا وأكثر أجرًا.
ومما جاء به الشرع من اهتمام بالمساجد وأهلها وقاصديها، أنه أمر بالتطهر عند الذهاب إليها والتجمل، ونهى من أكل ثومًا أو بصلًا أن يأتيها، قال -تعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)[الأعراف: 31]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خُطْوَتَاهُ: إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً"(رواه مسلم).
وفي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ"(رواه البخاري ومسلم)، وعلى الثوم والبصل يُقاس كل ما له رائحة كريهة كالدخان أو العرق أو وسخ الجسد.
ومما نُهي عنه لأنه يؤذي قاصدي المساجد والمتعبدين فيها: رفع الصوت بالقراءة فوق المعتاد؛ ففي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: اعتكف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد؛ فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة له، فكشف الستور وقال: "إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالقِرَاءَةِ" أو قال: "فِي الصَّلَاةِ"(رواه أحمد).
وإذا كان هذا النهي عن رفع الصوت بكلام الله، فكيف بمن يرفع صوته بالخصام والجدال، أو الحديث في أمور الدنيا، أو يرفع نغمة جواله، أو يتركها تُلهي المصلين ولا يغلقها، ويزداد الإثم إذا كانت نغمة موسيقية، فهي مع كونها حرامًا فهي في المسجد إثم على إثم.
وفي البخاري عن السائب بن يزيد قال: "كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل؛ فنظرت فإذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله"(رواه البخاري).
ومما يُنهى عنه وهو مما يتأذى به الناس وخاصة في يوم الجمعة: أن يتأخر المرء عن الحضور إلى المسجد، ثم يتخطى رقاب المصلين ويفرق بين الجالسين، ويشغلهم عن ذكر الله وقراءة القرآن وما هم فيه من تعبد، وقد رأى -صلى الله عليه وسلم- رجلًا يتخطى رقاب الناس فقال له: "اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ"(رواه أحمد وصححه الألباني).
وبالجملة -أيها المسلمون- فإن المسلم مأمور بإجلال بيوت الله، والحرص على عدم إيذاء مرتاديها بأي نوع من أنواع الإيذاء، ومن ذلك إيقاف السيارات حولها بما لا يمكن الآخرين من المرور، وإلقاء الأحذية عند الأبواب دون ترتيب، ومن ذلك أن يحجز المصلي مكانًا قبل أن يأتي إلى المسجد، أو يأتي فيحجزه ثم يخرج ولا يعود إلا بعد وقت طويل، ومن ذلك سؤال الناس عند أبواب المساجد، أو استغلال اجتماعهم فيها للدعاية لأمور الدنيا، أو نشدان الضالة المفقودة؛ ففي صحيح مسلم أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا"(رواه مسلم)، وعند الترمذي قال: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ"(رواه الترمذي وصححه الألباني).
ألا فاتقوا الله -أيها المسلمون- ولنحرص على إكرام بيوت الله ومرتاديها ومن فيها، ولنحذر مما يؤذي الناس، فإن المسلم الذي يجيء إلى المسجد إنما يجيء طلبًا للأجر وابتغاءً للثواب وحرصًا على ما عند الله، فكان من الحسن به أن يتأدب بكل أدب جميل، وأن يحسن خلقه مع إخوانه ويسلك مسالك المروءة والتواضع، وألا يكثر الخصام أو اللجاج، أو يخالف الناس بمنعهم مما يريدونه لأنه لا يريده، أو بإلزامهم بما يرغبه وهم لا يرغبونه، فإنما هي دقائق يقضيها المرء في المسجد، حقيق به أن يستثمرها في التزود مما ينفعه ويرفعه، وأن يصبر ويتجمل، وأن يحرص على ما يعين إخوانه ويقويهم على طاعة ربهم ويرغبهم في بيوته، ويحبب بعضهم في بعض ويزيد من تآلفهم واجتماع كلمتهم، لا أن يشتغل بما لا يعنيه، أو يقصد إلى ما يفرق الجماعة أو يوغر صدور بعضهم على بعض، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ"(رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني)، وقال -تعالى-: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)[المائدة: 2].
الخطبة الثانية:
أما بعد: فاتقوا الله -تعالى- وأطيعوه ولا تعصوه، واعلموا أن المساجد أماكن عبادة وسكينة وطمأنينة، واجتماع وائتلاف ومحبة ومودة، وتحصيل أجور وحسنات وتكفير ذنوب وسيئات، أهلها هم المشهود لهم بالإيمان، وهم الموصوفون بالرجولة، والمتعلقة قلوبهم بها هم المستظلون بظل الله يوم لا ظل إلا ظله، والمشاؤون إليها في الظلم هم المبشرون بالنور التام يوم القيامة، والغادون إليها والرائحون والجالسون فيها، هم ضيوف الرحمن وهم المرابطون، ولهم تستغفر الملائكة.
وفي المساجد يُتعلم العلم ويُحفظ القرآن، وتُتلى آيات الله ويُرفع الدعاء، ويُربى النشء ويُوجهون إلى كل خير، وفيها تتخرج أجيال من القادة والعلماء والعظماء، ولأجل هذا فإن بيوت الله يجب أن تُقدر وتُصان وتُجل عن كل ما لا يليق بها، وأن يُعظمها من أتاها ويجلها ويتحلى بآدابها، قال -تعالى-: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ)[التوبة: 18]، وقال -سبحانه-: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)[النور: 36-37].
وفي الحديث: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ... وَمِنْهُمْ: رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ"(متفق عليه).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ"(متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(رواه الترمذي وأبو داود وصححه الألباني).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟!" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ"(رواه مسلم).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ"(متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ"(رواه مسلم).
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم