عناصر الخطبة
1/فضل التزاور في الله ومكانته 2/آثار التزاور في تقوية الأخوة 3/هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في التيسير وترك التكلف 4/تصحيح مفاهيم الزيارة وإحياؤها.اقتباس
الزيارةُ والتزاورُ والاجتماعُ في اللهِ عبادةٌ من أجلِّ العباداتِ وأنفعِ القرباتِ، غابَ معناها عندَ الكثيرِ بسببِ الإغراقِ في المادياتِ وجعلِها من بابِ الدعواتِ اللازمةِ، لا يأتي أحدٌ لأحدٍ ولا يزورُهُ إلا بدعوةٍ؛ ما أجملَ أنْ نتجالسَ في...
الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ العليِّ الأعلى، خلقَ فسوّى، وقدَّرَ فهدى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وعلى آلِهِ وأصحابِهِ ومن تبعَهُمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، أمّا بعدُ:
عباد الله: فاتقوا اللهَ حقَّ تقاتِهِ؛ (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[آل عمران: 133].
الصالحينَ وأهلَ الخيرِ والدعوةِ لا يملُّ بعضُهُمْ من بعضٍ، طلبَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من جبريلَ -عليه السلام- تكرارَ زيارتِهِ، والأنسَ بهِ والاستفادةَ منهُ؛ فقالَ: "يا جبريلُ، ما يمنعُكَ أنْ تزورَنا أكثرَ مما تزورُنا؟ فأنزلَ اللهُ: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ)[مريم: 64]"(أخرجَهُ البخاريُّ).
الزيارةُ والتزاورُ والاجتماعُ في اللهِ عبادةٌ من أجلِّ العباداتِ وأنفعِ القرباتِ، غابَ معناها عندَ الكثيرِ بسببِ الإغراقِ في المادياتِ وجعلِها من بابِ الدعواتِ اللازمةِ، لا يأتي أحدٌ لأحدٍ ولا يزورُهُ إلا بدعوةٍ.
ما أجملَ أنْ نتجالسَ في الرحمنِ فيرحمَنا، أنْ نتقاربَ فيقرِّبَنا منهُ، أنْ ننفقَ الأوقاتَ في التحابِّ والتقاربِ والتراحمِ والتفقدِ؛ فيخلفَها اللهُ لنا بركةً في الأوقاتِ والذريةِ.
الزيارةُ لها مردودُها الكبيرُ في نفسِ المزارِ، ناهيكَ عمّا يكونُ فيها من إيناسٍ، ونصيحةٍ، وذكرى، وشدِّ الأزرِ، وتثبيتِ القلبِ، ومناقشةِ قضايا عديدةٍ؛ أسريةٍ، واجتماعيةٍ؛ (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ)[الكهف:28].
المتزاورونَ في اللهِ وعدَهُمُ اللهُ بالثوابِ العظيمِ لمن حافظَ عليها وخلصَها من شوائبِ متاعِ الدنيا الزائلِ؛ "قَالَ رَبُّنَا -عز وجل-: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ"(رواه مالك).
الزيارةُ في اللهِ موعودٌ أصحابُها بنُزُلٍ في الجنةِ، ومقامٍ فيها، قالَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللهِ نَادَاهُ مُنَادٍ بِأَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلًا"(رواه الترمذي).
في الزيارةِ والاجتماعِ في اللهِ فوائدُهُ لا تنضبُ، ولطائفُهُ لا تجفُّ، وفيها إحياءُ هذهِ الشعيرةِ العظيمةِ؛ كانَ -صلى الله عليه وسلم- يزورُ أصحابَهُ، الكبيرَ منهم والصغيرَ، الجارَ والبعيدَ، وإذا دعاهُ أحدُهُمْ أجابَ دعوتَهُ ولو على شربةِ ماءٍ أو مذقةِ لبنٍ، قالَ أنسٌ -رضي الله عنه-: "كانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يزورُ الأنصارَ، ويُسلِّمُ على صبيانِهِمْ، ويمسحُ رؤوسَهُمْ"(رواه النسائي).
الزيارةُ ليستْ حكرًا على الأصحابِ والقرناءِ، أو ذوي المالِ والثراءِ؛ فزيارةُ الكبارِ والضعفاءِ والأقربينَ سنةٌ نبويةٌ ومنهجُ خلفائِهِ؛ "كانَ -صلى الله عليه وسلم- يزورُ حاضنتَهُ أمَّ أيمنَ، ولمّا تُوفِّيَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قالَ أبو بكرٍ لعمرَ -رضي الله عنهما-: انطلقْ بنا إلى أمِّ أيمنَ نزورُها كما كانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يزورُها"(رواه مسلم).
وفي الصحيحينِ "أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- زارَ عتبانَ بنَ مالكٍ بعدما ضعفَ بصرُهُ".
لا يلزمُ أنْ تزورَ أو تُزارَ أنْ تمتلكَ بيتًا فسيحًا، أو يكونَ لديكَ أثاثٌ راقٍ.. قالَ أنسُ بنُ مالكٍ -رضي الله عنه-: "زارَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أهلَ بيتٍ من الأنصارِ، فطعمَ عندهم طعامًا، فلما أرادَ أنْ يخرجَ أمرَ بمكانٍ من البيتِ فنُضِحَ لهُ بساطٌ، فصلّى عليهِ ودعا لهم"(رواه البخاري)، قالَ ابنُ حجرٍ -رحمه الله-: من فوائدِ هذا الحديثِ: "استحبابُ الزيارةِ، ودعاءُ الزائرِ لمن زارَهُ وطعمَ عندَهُ".
وقالَ البخاريُّ -رحمه الله-: "بابُ الزيارةِ ومن زارَ قومًا فطعمَ عندهم "وزارَ سلمانُ أبا الدرداءِ في عهدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فأكلَ عنده" قالَ الشراحُ: الأكلُ عندَ المزورِ مما يثبتُ المودةَ ويزيدُ المحبةَ".
وقالَ ابنُ حجرٍ -رحمه الله-: "من تمامِ الزيارةِ أنْ يُقدَّمَ للزائرِ ما حضرَ، أي ما يتيسَّرُ من طعامٍ، وقد نهى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن التكلفِ للضيفِ".
الزيارةُ والتزاورُ في اللهِ حبٌّ وإخاءٌ وودٌّ وسلامٌ، لا يلزمُ منها طولُ مكثٍ أو مبالغةٌ في المواعيدِ أو استعدادٌ في الطعامِ والشرابِ؛ الزيارةُ في اللهِ أيسرُ من ذلكَ وأبسطُ، قالَ ابنُ عمرَ -رضي الله عنه-: "كنا جلوسًا معَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إذ دخلَ رجلٌ من الأنصارِ فسلَّمَ ثم انصرفَ؛ فقالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: يا أخا الأنصارِ كيفَ أخي سعدُ بنُ عبادةَ؟ فقالَ: صالحٌ، فقالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: من يزورُهُ منكم؟ فقامَ وقمنا معهُ، ما علينا نعالٌ ولا خفافٌ ولا قلانسٌ، نمشي في تلكَ السباخِ حتى جئناهُ، فدنا منهُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُهُ"(رواه مسلم).
وضعَ كثيرٌ من الناسِ تكاليفَ في الزيارةِ وحواجزَ ورسمياتٍ أورثتْ انقطاعًا كبيرًا بين الأصحابِ وحتى بين الأقربينَ، فما يمنعُ إذا قدمتَ على بلدٍ فيهِ أصحابٌ لكَ أو أقربونَ أنْ تزورَهُمْ أو تبيتَ عندهم أو تُقيلَ، قالَ الإمامُ البخاريُّ في صحيحِهِ بابُ: "من زارَ قومًا فقالَ عندهم، قالَ: من القيلولةِ، "وكانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يأتي بيتَ عبادةَ بنِ الصامتِ فيقيلُ عندهم".
وإذا كانَ بينَ شخصٍ وآخرَ نوعٌ من الصلةِ والقرابةِ أو الأخوةِ الكبيرةِ، وتقاربٌ في المساكنِ، معَ عدمِ حصولِ تكلفٍ؛ فلا حرجَ عليكَ أنْ تقابلَهُ باستمرارٍ؛ بوَّبَ البخاريُّ في صحيحِهِ فقالَ: بابُ الزيارةِ غدوةً وعشيةً، واستشهدَ بحديثِ عائشةَ قالتْ: "لم يمرَّ علينا يومٌ إلا يأتي فيهِ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أبا بكرٍ طرفي النهارِ بكرةً وعشيةً".
يَمْضِي أَخُوكَ فَلَا تَلْقَى لَهُ خَلَفًا *** وَالْمَالُ بَعْدَ ذَهَابِ الْمَالِ مُكْتَسَبٌ
وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه، إنَّ ربي رحيمٌ ودودٌ.
الخطبةُ الثانيةُ:
الحمدُ للهِ لهُ الخلقُ والملكُ والتدبيرُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ -صلى الله عليه وسلم- وعلى آلِهِ وأصحابِهِ ومن تبعَهُمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ وسلَّمَ تسليمًا.
لقد درجَ السلفُ من الصحابةِ وغيرِهِمْ على السفرِ لزيارةِ إخوانِهِمْ والانتفاعِ بلقياهُمْ؛ وتثبيتِ بعضِهِمْ بعضًا، فكانَ أحدُهُمْ يسيرُ الأيامَ ويواصلُ اللياليَ من أجلِ زيارةِ أخٍ لهُ في اللهِ.. سافرَ سلمانُ -رضي الله عنه- لزيارةِ آلِ أبي الدرداءِ بعدما فُتِحَتِ البلدانُ وتفرَّقَ الصحابةُ في الأمصارِ، قالَ البخاريُّ: "ورحلَ جابرُ بنُ عبدِاللهِ مسيرةَ شهرٍ إلى عبدِاللهِ بنِ أنيسٍ".
وقد جاءَ في صحيحِ مسلمٍ: "أنَّ رجلًا زارَ أخًا لهُ في قريةٍ أخرى، فأرصدَ اللهُ لهُ على مدرجتِهِ ملكًا، فلما أتى عليهِ قالَ: أينَ تريدُ؟ قالَ: أريدُ أخًا لي في هذهِ القريةِ، قالَ: هلْ لكَ عليهِ من نعمةٍ تربُّها؟ قالَ: لا، غيرَ أني أحببتُهُ في اللهِ -عز وجل-، قالَ: فإني رسولُ اللهِ إليكَ، بأنَّ اللهَ قد أحبَّكَ كما أحببتَهُ فيهِ".
وقالَ الإمامُ ابنُ حبانَ -رحمه الله-: "الواجبُ على العاقلِ تعاهدُ الزيارةِ للإخوانِ وتفقدُ أحوالِهِمْ؛ لأنَّ في ذلكَ استكمالَ الذخرِ في الآجلِ، والتلذذَ بالمؤانسةِ بالأخِ المزورِ".
وعن الفريابيِّ قالَ: "جاءني وكيعُ بنُ الجراحِ من بيتِ المقدسِ للعمرةِ، فقالَ: يا أبا محمدٍ لم يكنْ طريقي عليكَ، ولكنْ أحببتُ أنْ أزورَكَ وأقيمَ عندكَ، فأقامَ عندي ليلةً، وجاءني ابنُ المباركِ وقد أحرمَ بعمرةٍ؛ فأقامَ عندي ثلاثًا، فقلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، أقمْ عندي عشرةَ أيامٍ، قالَ: "لا، الضيافةُ ثلاثةُ أيامٍ".
وإذا كانَ من أهلِ الصلاحِ والفضلِ كانتْ زيارتُهُ أولى، قالَ الإمامُ البخاريُّ: "بلغَ ابنَ عمرَ أنَّ سعيدَ بنَ زيدٍ مرضَ يومَ الجمعةِ وكانَ ممن شهدَ بدرًا، فركبَ إليهِ ابنُ عمرَ بعدَ ما تعالى النهارُ واقتربتِ الجمعةُ وتركَ الجمعةَ".
الاجتماعاتُ والزياراتُ يعظمُ أثرُها إذا كانتْ تثبيتًا للحقِّ وشدًّا من أزرِ إخوانِهِ، وتذاكرًا في الخيرِ لا سيما في أوقاتِ الأزماتِ وبثِّ الشبهاتِ وانفتاحِ الشهواتِ وتراخي النفوسِ عن الطاعاتِ"، "زارَ أبو موسى معاذَ بنَ جبلٍ في اليمنِ؛ فتذاكرا، فقالَ معاذٌ لأبي موسى: كيفَ تقرأُ القرآنَ؟ قالَ: أقرؤُهُ في صلاتي، وعلى راحلتي، قائمًا، وقاعدًا، أتفوقُهُ تفوقًا، قالَ: فكيفَ تقرأُ أنتَ يا معاذُ؟ قالَ: أنامُ أولَ الليلِ؛ فأقومُ فأقرأُ ما كتبَ اللهُ لي؛ فأحتسبُ نومتي كما أحتسبُ قومتي"(رواه البخاري).
هذهِ شذراتٌ في بابِ الأخوةِ والتزاورِ في اللهِ والتثبيتِ بين الأصحابِ والأقربينَ مستلةٌ من هديِ رسولِ اللهِ وأصحابِهِ وسلفِ الأمةِ، علَّها تكونُ نبراسًا لحياتِنا وتأليفًا لقلوبِنا وجمعًا لشتاتِنا وتناصحًا فيما بيننا ولتكونَ ذخرًا لنا.
وما المرءُ إلا بإخوانِهِ *** كما تقبضُ الكفُّ بالمعصمِ
ولا خيرَ في الكفِّ مقطوعةً *** ولا خيرَ في الساعدِ الأجذمِ
نسألُ اللهَ أنْ يجعلَنا من الصالحينَ المصلحينَ، المتحابينَ في اللهِ، المتناصحينَ فيهِ، المستظلينَ بظلِّهِ.
اللهم آمنا في دورنا وأصلح ولاة أمورنا.
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم