أقبل رمضان

عبدالله يعقوب
1447/08/24 - 2026/02/12 18:19PM

الحمدُ لله، نحمدُه ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله مِنْ شرورِ أنفسنا ومِنْ سيئاتِ أعمالنا، منْ يهده اللهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضلِلْ.. فلا هَاديَ له.

وأشهدُ أَلا إلهَ إِلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له.. وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمداً عبدُه ورسولُه:

دامَتْ عليكَ صلاة ُ اللهِ يَكْفَلُها

مِنَ المهَيْمِنِ.. إبلاغٌ وتَوْصِيلُ

مَا لاحَ ضوءُ صباحٍ فاسْتَسَرَّ بِهِ

مِن الكواكبِ.. قِنديلٌ فقِنديلُ

صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِه بإحسانٍ إلى يومِ الدين.

أمَّا بعد... فاتقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا مِن الإسلامِ بالعُروةِ الوُثقَى، (وَاتَّقُوا اللَّهَ.. وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ.. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).

أيّها المسلمون... ها هي نفحاتُ رمضانَ قد أقبَلَتْ، ونسائمُه الإيمانيةُ للقلوبِ خالجتْ وخالَطَتْ.

فما هي إلا سويعاتٌ.. والمحاريبُ تضجُّ بالصلواتِ والتلاواتِ والعَبَرات.. والتباشيرُ والتهاني.. تملأ الفَضاءَ الرَّحبَ، بصادقِ الدَّعواتِ للرب، بالعَونِ والتسديد، والقَبولِ والغُفران.. فاللهم بلِّغَنا رمضانَ، وباركْ لنا فيه، وأعنَّا والمسلمين على ما يُرضيك يا ذا الجلال والإكرام.

عباد الله... شهر رمضان.. تُقبِلُ فيه النفوسُ بعدَ الامتناع، وتبتلُّ فيه الأرواحُ بعدَ الجفاف، وتترطَّبُ فيه الأفئدةُ بعدَ القسوة: (ورغِمَ أنفُ مَنْ أدركَ رمضانَ فَلَمْ يُغفَرْ له).

شهرُ رمضانَ.. مَوسِمٌ، ومَواسِمُ الخيراتِ.. فُرصٌ، ويبقى الطَّريقُ هُوَ الطَّريقُ.. وإنَّما تَتَفاوتُ الأقدامُ في الإِقدامِ.

إنَّ مواسِمَ الخيراتِ.. فُرصٌ سَوانِح، بينما المَوسِمُ مُقبِلٌ.. إذ هو رائحٌ، والغنيمةُ فيها ومِنها.. إنما هي صبرُ ساعةٍ، فيكونَ المسلمُ بعدَ قَبولِ عملِهِ من الفائزين، ولخالِقِه من المُقرَّبين.

فاجعلنا اللهمَّ لنفحَاتِك مُتعرِّضين، ولمغفرتِك ورضوانِك مِن الحائزين، ووفِّقنا لصالحِ العمل، واقبلنا اللهمَّ فيمن قُبِل، واختِم لنا بخيرٍ عندَ حضورِ الأجل.

أيها المسلمون... الصومُ شرعٌ قديمٌ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، ورمضانُ.. شهرُ الرحماتِ والبركاتِ والحسناتِ والخيرات، تُفتَّحُ فيه أبوابُ الجنان، وتُغلَّقُ أبوابُ النيران، فيه ليلةٌ هي خيرٌ مِن ألفِ شهر، وللهِ تعالى عُتقاءُ مِن النَّارِ كلَّ ليلة، و(مَنْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتِسابًا.. غُفِرَ لَه مَا تقدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ).

و(مَنْ قَامَ رمضانَ إيمانًا واحتِسابًا.. غُفِرَ لَه مَا تقدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ).

و(مَنْ قَامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتِسابًا.. غُفِرَ لَه مَا تقدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ).

خُلُوفُ فمِ الصائم.. أطيبُ عند اللهِ مِن ريحِ المِسكِ.

للصائم فرحتان: إذا أفطرَ فرِح بفِطره، وإذا لقِيَ ربَّه فرِح بصومه.

(.. ورمضان إلى رمضان مُكفِّراتٌ لما بينهنَّ إذا اجتُنِبت الكبائرُ).

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، وكان جبريلُ يُدارِسُ النبيَّ ﷺ القرآنَ في رمضانَ كلَّ ليلةٍ.

وكانَ السلفُ رحمهم الله.. إذا جاءَ رمضان.. تركُوا رِوايةَ الحديثِ والسُّننِ، وتفرَّغوا لقراءةِ القُرآن.

والصيامُ والقُرآنُ.. يشفَعانِ لصاحبِهِما يومَ القيامة.

رمضانُ عِبادَ الله... شهرُ التراويحِ والقيام، والتعبُّدِ في محاريبِ التهجُّدِ والناسُ نِيام.

رمضان... شهرُ الحَنينِ والأَنين، شهرُ العِبادةِ والتَّبَتُّلِ، والترتيلِ والتَّرنُم، شهرُ البُكاءِ والعَبَرات، وإقالةِ العثَرات، وإجابةِ الدعوات: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ.. فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي.. وَلْيُؤْمِنُوا بِي.. لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).

في رمضان.. تصفُو النفوسُ، وتتهذَّبُ الأخلاق، وفي الصيامِ.. تربيةٌ على كسرِ الشَّهواتِ، وقطعِ أسبابِ العبوديةِ للهَوى والملذّاتِ.

في رمضان.. يُواسَى الفُقراءُ والبُؤساءُ، فهو شهرُ العطيّةِ والمواساة، وهو شهرُ البَذلِ والهِباتِ، وللهِ فيه نَفَحاتٌ.

أيها المسلمون... أخلِصوا دينَكم لله، وتخلَّصُوا من أدرانِ الذنوبِ والأوزار، واغسِلوها بالتوبةِ والاستِغفار؛ فإنَّ الذنوبَ مُقعِدةٌ عن الطاعات، وحائلٌ عن القُرُبات.

ثم صُونوا صومَكم عما يُنقِصُه أو يُحبِطُه، حقِّقُوا الإخلاصَ والمُتابعَةَ في كلِ عِباداتِكم، وحاذِروا الشركَ فهو أشدُّ مانعٍ لِقَبولِ العمل؛ بل هو مُحبِطٌ له، وابتعِدوا عَن كلِّ مُحدثةٍ في الدين، فلا يَقبَلُ اللهُ عَمَلًا لم يُشرَع.

صُونوا صومَكم عما يجرَحُه؛ فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله ﷺ: (مَنْ لم يدَع قولَ الزورِ، والعملَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ في أنْ يدَعَ طعامَه وشرابَه) رواه البخاري.

وفي الصحيحين، قال ﷺ: (إذا كان يومُ صومِ أحدكم، فلا يَرفَثْ ولا يَصخَبْ، فإنْ سابَّه أحدٌ أو قاتَلَه فليقُل: إنّي صائمٌ).

أيها الصائمون.. إنَّ مقصودَ الصيام: تربيةُ النفس على طاعةِ الله، وتزكيتُها بالصبرِ، واستِعلاؤُها على الشهوات، وكما يُمنَعُ الجسدُ عَنْ بعضِ المُباحاتِ حالَ الصيام؛ فمِنْ بابِ أولَى.. منعُ الجوارح عن الحرام.

ووقتُ رمضانَ.. أيها الصائمون: أثمنُ مَنْ أنْ يضيعَ أمامَ مشاهِدَ هابِطة.. وللحياءِ خَادِشَةٌ، ولو لم يكنْ فيها إلا إضاعةُ الوقتِ الثمينِ.. لكان ذلك كافِيًا في ذمِّها؛ كيف وقنواتُها في سِباقٍ محمومٍ مع الشيطان.. في نشرِ الفَسَادِ والفتنة، والصدِّ عَن ذِكرِ اللهِ وعنِ الصلاة،،، فهل أنتم مُنتهون؟!

رمضانُ عبادَ الله... شهرُ تزكيةِ النفوسِ وتربيتِها.. وقطعِ العلائقِ عن المعاصي وهجرِها، وتذكرةٌ للأمةِ لمُراجعةِ حساباتِها وعلاقتِها بربِها: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

بادِر بالتوبةِ.. غَفَرَ اللهُ لي ولك، وإيّاك أنْ تَضَعَ في صحيفتِك اليوم.. ما تَستحِي مِنْ ذِكرِه غدًا، وإنَّما الراحةُ الكُبرى لمن تعِبوا.

أيها الكرام... في الأسحارِ.. أسرار، نفحاتٌ ورحماتٌ حينَ التنزُّلِ الإلهيِّ، ورُبَّ دعوةٍ يُكتَبُ لك بها الفوزُ الأبديُّ، والفلاحُ السرمدي... وعِندَ الفِطرِ دعوةٌ لا تُردُّ.

فاسعَدوا بشهركم أيها المسلمون، وأودِعوا فيه مِن الصالِحات ما تستطيعون، وتقرَّبُوا فيه لمولاكم.. فلِلجنَّةِ قد ناداكم: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).

باركَ الله لي ولكم في الكتاب والسنة.. ونفَعَنا بما فيهما مِن الآياتِ والحكمة.. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدا حمدا.. والشكر له سبحانه وتعالى شكرا شكرا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أمَّا بعدُ.. فاعلموا رحمكم الله.. أنَّ مِنْ أعظمِ مَا يُستقبلُ بِهِ شهرُ رمضانَ.. طَلَبُ اللهِ العونَ والتوفيقَ للعبادةِ والطاعةِ، هذا رسولُ اللهِ ﷺ يأخذُ بيدِ معاذِ بنِ جبلٍ t، ويقولُ له: (يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ). فكلُّ عَمَلِك الصالحِ.. مِنْ صيامٍ وقيامٍ وصدقاتٍ وَذِكرٍ وتلاوةٍ وغيرِها... إنَّما هو محضُ توفيقِ اللهِ لك، وعونٌ مِن اللهِ لك، واللهُ تعالى يقولُ لِرسولِهِ: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً)، فأكثِر مِن هذه الكلمةِ العظيمةِ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وتبرأَ إلى اللهِ.. مِنْ حَولِكَ وقوّتِك، فلولا توفيقُ اللهِ لكَ مَا عملتَ، ولولا هدايةُ اللهِ لك ما استقمتَ: (وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً).

فاتّق اللهَ عبدَ الله، وهلُّمَّ... إلى المساجِدِ، وحِلَقِ الذِّكر، ومجالِسِ التلاوةِ والتدبر، وغُضَّ بَصَرَكَ.. واحفظْ سمعَك.. وكفَّ لسانَك، وأقبل بكليّتِك على العباداتِ والطاعات، واللهُ تعالى يقول: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ.. ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ.. ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرا.. تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا.. تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي.. أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)

ألا فاتقوا اللهَ عِبادَ الله.. وجُدوا واجتهدوا.. وأروا الله من أنفسكم خيراً.

ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ.. عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ، فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

وارض عن الأربعةِ الخلفاءِ الراشدين، أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليّ، وعن سائرِ الصحابةِ والتابعين، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وارضَ عنا معهم، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

المشاهدات 369 | التعليقات 0