أيها السقريون!

سامي بن محمد العمر
1447/10/28 - 2026/04/16 23:28PM

أيها السقريون!

29/10/1447

أما بعد:

ففي مشهد من مشاهد القيامة التي تكون النفوس فيها مرتهنة بما كسبت؛ يستثني ربنا طائفة فيقول جل جلاله:

{إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 39 - 43]

أنصتوا: ماذا قال هؤلاء السقريون؟

نعم؛ لقد قالوا: {لم نك من المصلين}

فواعجباً، كيف استطاعوا أن يقضوا أيامهم وشهورهم وأعوامهم بلا صلاة؟ كيف كان عيشهم؟ وكيف فاتهم ألذُّ لذات الحياة؟

كيف لتلك الأرواح أن تتحمل قطْعها عن خالقها، وحرمانها من بارئها؟

إنها حياة البهائم التي لا تعرف إلا مَلء بطنها، واتباع شهواتها {يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ} [محمد: 12]، غير أن البهائم أهدى لمعرفة ما ينفعها، واجتناب ما يضرها من أصحاب العقول الغافلة عما خلقت له.

كيف يُعرض المرء عن الصلاة وهي أعجوبة من عجائب الله في تشريعه وفرائضه وحكمته؟

فما من أحد إلا قد نهشته الدنيا بهمومها ومصائبها ومشاكلها،

وما من أحد إلا قد تجرأ عليه عدو أو ظالم أو حاقد أو حاسد فبحث عن معين ونصير.

وما من أحد إلا قد جاعت روحه ضيقًا وقلقًا وأرقاً فطلبت راحة وأمناً واطمئنانًا

وما من مسلم إلا قد تسلط عليه شيطانه وسوسة وتزيينا ووعودا كاذبة ففتش عن ملاذ وملجأ.

وفي الصلاة نور وهداية وأمن واطمئنان والتجاء وعون وانتصار.

فيا أيها السقريون:

لقد وجدنا في الصلاة ملجأ نلتقي فيه بالقادر الوحيد على تلبية مطالبنا، وإجابة دعواتنا، وتفريج كرباتنا سبحانه وبحمده؛ فنشكو إليه البث والحزن، ونستفتح أبواب نصره ورحمته؛ فهي كهفُ المؤمن عند المحن، وبلسمُ الجروح، ودواءُ النفوس، وأمانُ الخائف الملهوف، وقوةُ الضعيف وسلاحُ الأعزل؛ والله تعالى يقول:

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [البقرة: 153].

فأعظِم به من لقاءٍ لا تُتخيلُ الحياة بدونه، ولا طعمَ لها إلا بوجوده.

ولقد وجدنا في الصلاة راحةً لأرواحنا وأجسادنا بعد كل جري ولهث خلف هذه الدنيا الزائلة، حين تتغذى أرواحنا من أصناف الأذكار والدعوات؛ وترتقي بترتيل السور والآيات، "فهي ربيعُ القلوب، وشفاءُ الصدور ونورُ البصائر وحياةُ الأرواح فتحِلَّ بنا فيما شاء من روضاتٍ مونقات؛ زاهيةٍ أزهارُها مونقةٍ ثمارُها، قد ذُلِّلت قطوفها تذليلا وسُهلت لمتناولها تسهيلا، فهو يجتني من تلك الثمار خيرا يؤمر به وشرا ينهى عنه، وحكمة وموعظة، وتبصرة وتذكرة، وتقريرا لحق ودحضا لباطل، وإزالة لشبهة وجوابا عن مسألة، وترغيبا في أسباب فلاح وسعادة، وتحذيرا من أسباب خسران وشقاوة، فتنزِلُ على القلوب نزولَ الغيث على الأرض التي لا حياة لها بدونه، ويحِلّ منها محل الأرواح من أبدانها؛ فأيُّ نعيمٍ وقرةِ عين ولذةِ قلب وابتهاجٍ وسرورٍ لا يحصل للمصلي في هذه المناجاة؛ والرب تعالى يسمع لكلامه جاريا على لسان عبده وهو يتلو سورة الفاتحة فيقول تبارك وتعالى: حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي!"([1]).

الله أكبر؛ لقد جربت البشرية تغذيةَ أرواحها وراحةَ أبدانها وسعادةَ قلوبها في الملهيات والأفلام والروايات والنكت والضحكات وتتبع الشهوات فلم تجد راحة ولا أنساً ولا سعادة سوى لحظات فانية تموت سريعاً؛ لتعود الأرواح إلى ضنكها وبؤسها

{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا } [طه: 123، 124]

وفي الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان يقول: ((قُمْ يا بلالُ، فأرِحْنَا بالصلاة))([2]).

ولقد وجدنا في الصلاة سعادة التطهير اليومي من أدران الذنوب التي تغلبنا عليها نفوسنا الأمارة بالسوء وشياطيننا الداعية إلى الفسوق؛ لكنّ لنا رباً رحيماً، وإلهاً كريماً؛ يدعو إلى أن يثوب المخطئ إلى رشده، ويفيق المغرور من سباته، ويرجع إلى ربه؛ فشرع لنا خمسة أوقات نغسل فيها أرواحنا ونطهر فيها قلوبنا؛ فلله حمدنا وشكرنا وثناؤنا.

عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه – أي: وسخه- شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا»([3])

 

بارك الله لي ولكم..

 

الخطبة الثانية

أما بعد:

فيا أيها السقريون:

لقد كان الكون وما فيه وما زال يصلي لله إلا أنتم! فلماذا كل هذا؟

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } [النور: 41]

عباد الله:

المؤمنون تجاه صلاتهم ثلاثة أصناف:

الأول: المؤدون لها بمحبة وتلذذ؛ وهم أعلى الأصناف لأنهم يقتدون بنبيهم صلى الله عليه وسلم الذي يقول: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة))([4])

والصنف الثاني: المتثاقلون المتكاسلون وهؤلاء على خطر عظيم؛ حيث أخذوا من صفات المنافقين أبشعها وأبرزها كما قال تعالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء: 142]

والصنف الثالث: التاركون لها تركاً كلياً كاملاً فأولئك هم السقريون الذين لا حظّ لهم في الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم-: «العَهدُ الذي بيننا وبينهم: الصلاةُ، فمن تركها فقد كفر»([5]) نسأل الله لنا ولهم الهداية والإنابة والعفو والعافية.  

فهل أدركنا الآن ماذا فوّت أهل سقر من الراحة والنعيم في الدنيا والآخرة حين تركوا الإيمان والصلاة؟

وهل أدركنا السر في تصريحهم بسبب دخول النار حين سئلوا {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} فالنجاة النجاة يا عباد الله.

 

 

 



([1]) مستفاد بتصرف من شفاء الغليل لابن القيم (ص228)
([2]) أخرجه أبو داود رقم (4985) و (4986) في الأدب، باب في صلاة العتمة، وإسناده صحيح.
([3]) متفق عليه؛ البخاري (528) ومسلم (667)
([4]) أخرجه أحمد (12293) وغيره بسند حسن.
([5]) رواه الترمذي رقم (2623)، والنسائي 1 / 231 و 232 في الصلاة، وهو حديث صحيح.

المرفقات

1776371285_أيها السقريون!.pdf

1776371296_أيها السقريون!.docx

المشاهدات 310 | التعليقات 0