الجيادُ في المنعطفِ الأخيرِ!
د. سلطان بن حباب الجعيد
الجِيادُ في المُنْعَطَفِ الأَخِيرِ
الحَمْدُ للهِ الَّذي تَفَضَّلَ عَلَيْنا بِالعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَحَثَّنا فيها على شَدِّ المَآزِرِ، وَوَعَدَ المُجْتَهِدينَ فيها بِمَغْفِرَةِ جَميعِ الجَرائِرِ؛ الصَّغائِرِ مِنْها وَالكَبائِرِ. وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ على مَنْ أَطالَ للهِ القِيامَ في هذِهِ اللَّيالي، لِيَكُونَ لأُمَّتِهِ خَيْرَ مِثالٍ لِمَنْ أَرادَ مِنْهُمْ أَنْ يُصيبَ عَظيمَ المَنالِ.
أَمّا بَعْدُ:
أُوصيكُمْ أَيُّهَا الصّائِمُونَ وَنَفْسي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَهِيَ النُّورُ في زَمَنِ الظُّلُماتِ، وَالفَرَجُ في زَمَنِ الكُرُباتِ، وَالهِدايَةُ في زَمَنِ الغَواياتِ، وَالمَغْفِرَةُ مَعَ وُقوعِ الزَّلّاتِ.
قالَ اللهُ تَعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا، وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩].
أَيُّهَا الإِخْوَةُ، كَأَنَّها ساعاتٌ تَفْصِلُ بَيْنَنا وَبَيْنَ أَوَّلِ جُمُعَةٍ، عِنْدَما تَذاكَرْنا فيها فَضْلَ الشَّهْرِ وَخَيْراتِهِ وَبَرَكاتِهِ، وَتَواصَيْنا على اسْتِغْلالِهِ وَاغْتِنامِهِ، وَلَيْسَتْ أَيّامًا وَأَسابيعَ. فَما أَسْرَعَ شَهْرَنا الَّذي مَرَّ كَلَمْحِ البَصَرِ، أَوْ هُوَ أَقْرَبُ!
وَلَكِنَّ العَزاءَ أَنَّ ما تَبَقّى مِنْهُ أَعْظَمُ مِمّا مَضى؛ فَنَحْنُ في عَشْرِهِ الأَخِيرَةِ، الَّتي هِيَ أَفْضَلُ لَيالِي العَامِ على الإِطْلاقِ، وَفيها لَيْلَةُ القَدْرِ الَّتي أَنْزَلَ اللهُ فيها الذِّكْرَ، وَأَعْظَمَ لَها القَدْرَ، فَجَعَلَها خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
فَالعَشْرُ الأَوَاخِرُ هِيَ لِبَقِيَّةِ رَمَضانَ كَرَمَضانَ لِبَقِيَّةِ أَيّامِ العَامِ؛ فَكَأَنَّها رَمَضانُ في داخِلِ رَمَضانَ. فَهِيَ جَديرَةٌ بِإِعادَةِ التَّذْكيرِ، وَالتَّرْغيبِ في مَعْرِفَةِ قَدْرِها وَفَضْلِها، وَحُسْنِ اسْتِغْلالِها.
أَيُّهَا الصّائِمُونَ، نَحْنُ مُنْذُ دَخَلَ الشَّهْرُ، وَنَحْنُ في مِضْمارِ سِباقٍ، وَفَرَسُكَ الَّتي تَحْتَكَ، وَتَخُوضُ بِها هذَا السِّباقَ، وَتُراهِنُ عَلَيْها، هِيَ نَفْسُكَ الَّتي بَيْنَ جَنْبَيْكَ.
وَهِيَ بِطَبْعِها حَرُونٌ؛ إِنْ لَمْ يَكُنْ فارِسُها الَّذي هُوَ أَنْتَ مُمْسِكًا بِزِمامِها، يَقودُها وَلا تَقودُهُ، وَيَزْجُرُها بِسَوْطِهِ، وَيَحُثُّها عَلَى التَّقَدُّمِ، وَإِلّا خَرَجَتْ بِهِ عَنِ المُنافَسَةِ، وَتَأَخَّرَتْ بِهِ عَنْ بَقِيَّةِ الجِيادِ.
فَهَذا – أَيُّهَا الإِخْوَةُ – هُوَ مِضْمارُ المُسارَعَةِ وَالمُسابَقَةِ، الَّذي نِهايَتُهُ رِضْوانُ اللهِ وَجَنَّتُهُ؛ فَما أَشْرَفَ المُتَسابِقينَ فيهِ، وَما أَشْرَفَ مَقْصودَهُ وَغايَتَهُ!
وَاللهُ في كِتابِهِ الكَريمِ لَمْ يَحُثَّ عَلَى المُسارَعَةِ وَالمُسابَقَةِ إِلّا في العَمَلِ الصّالِحِ.
قالَ تَعالى:
﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
وقالَ تَعالى:
﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
فَإِيّاكَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ بَدَأَ السِّباقَ نَشيطًا، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الخُمُولُ وَالكَسَلُ، وَأَرْخى لِفَرَسِهِ عِنانَها؛ فَإِنَّ العِبْرَةَ بِالخَواتيمِ. فَكَمْ هُوَ مَغْبُونٌ مَنْ انْسَحَبَ مِنَ السِّباقِ قَبْلَ نِهايَتِهِ!
فَإِنْ كانَ وِرْدُكَ مِنَ القُرْآنِ تَراجَعَ، فَالواجِبُ في هذِهِ اللَّيالي أَنْ يَزيدَ، وَيَزيدَ مَعَهُ التَّدَبُّرُ وَالخُشوعُ؛ فَنَحْنُ في اللَّيالي الَّتي تَنَزَّلَ فيها القُرْآنُ.
وَإِنْ كانَ قِيامُكَ قَدْ قَصُرَ، فَالواجِبُ أَنْ يَزيدَ، وَيَزيدَ مَعَهُ طُولُ قُنوتِكَ وَوُقوفِكَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ؛ فَنَحْنُ في اللَّيالي الَّتي قِيامُها لَهُ مِيزَةٌ عَنْ غَيْرِها مِنَ اللَّيالي؛ فَفيها لَيْلَةُ القَدْرِ الَّتي مَنْ قامَها إِيمانًا وَاحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، كَما جاءَ في الحَديثِ الصَّحيحِ.
وَإِنْ كانَتْ صَدَقاتُكَ تَلاشَتْ أَوْ كادَتْ، فَالواجِبُ أَنْ تَزيدَ، وَيَزيدَ مَعَها كَثْرَةُ تَفَقُّدِكَ لِلْمُحْتاجينَ وَالمُعْسِرينَ؛ فَما أَحْوَجَهُمْ لِلْعِنايَةِ مَعَ إِقْبالِ العيدِ! فَمَنْ أَفْرَحَهُمْ فَحَرِيٌّ بِاللهِ أَنْ يُفْرِحَهُ.
وَإِنْ كانَ دُعاؤُكَ قَدْ غابَ، فَالواجِبُ أَنْ يَزيدَ، وَيَزيدَ مَعَهُ إِلْحاحُكَ في الطَّلَبِ وَالمَسْأَلَةِ؛ فَنَحْنُ في لَيالِي اسْتِجابَةِ الدَّعَواتِ، وَتَفْريجِ الكُرُباتِ، وَتَحْقيقِ الأُمْنِيّاتِ.
أَيُّهَا المُتَسابِقُونَ، الجِيادُ في المُنْعَطَفِ الأَخِيرِ، وَقَدْ لاحَتْ عَلاماتُ النِّهايَةِ، وَهُوَ الوَقْتُ الَّذي يَشْتَدُّ فيه السِّباقُ، وَتَبْلُغُ المُنافَسَةُ ذِرْوَتَها.
فَاصْرُخْ في فَرَسِكَ الَّتي هِيَ نَفْسُكَ، وَقُلْ لَها: لا يَسْبِقَنَّكَ إِلَى اللهِ أَحَدٌ، وَانْهَمِرْ عَلَيْها بِسِياطِ التَّرْغيبِ وَالتَّرْهيبِ؛ فَعَمّا قَريبٍ جِدًّا سَيَتَوَقَّفُ السِّباقُ، وَيَتَقَشَّعُ الغُبارُ عَنْ فائِزٍ وَخاسِرٍ. وَأُعيذُكَ بِاللهِ أَنْ تَكُونَ مِنَ الخاسِرينَ، وَأَسْأَلُ اللهَ لَنا وَلَكُمْ أَنْ نَكُونَ مِنَ الفائِزينَ.
أَقولُ قَوْلي هذا…
الثانية:
وَبَعْدُ: أَيُّهَا الإِخْوَةُ، العَشْرُ الأَخِيرَةُ فَضْلُها عَظيمٌ وَكَبيرٌ، وَكانَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ يَعْرِفُ لَها قَدْرَها؛ وَلِذلِكَ كانَ يُحْيِي لَيْلَها كُلَّهُ.
كَما جاءَ ذلِكَ في الحَديثِ الصَّحيحِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، قالَتْ:
«كانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَمِنْ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَيْها، وَمَعْرِفَةِ قَدْرِها، فَقَدْ كانَ يَنْقَطِعُ فيها للهِ، وَيَخْلُو بِرَبِّهِ؛ فَيَعْتَكِفُ في مَسْجِدِهِ تَفَرُّغًا لِلطّاعَةِ وَالعِبادَةِ.
عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، قالَتْ:
«كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضانَ حَتّى تَوَفّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْواجُهُ مِنْ بَعْدِهِ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَحَثَّ عَلَى قِيامِ هذِهِ اللَّيالي، وَتَحَرِّي لَيْلَةِ القَدْرِ فيها، فَقالَ:
«مَنْ قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمانًا وَاحْتِسابًا، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
فَاللهَ اللهَ في التَّأَسِّي بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَاسْتِغْلالِ ما تَبَقّى مِنْ هذِهِ اللَّيالي الفاضِلَةِ، وَتَرْكِ الكَسَلِ وَالتَّهاوُنِ؛ فَما هِيَ إِلّا وَقْتٌ يَسيرٌ يُوشِكُ أَنْ يَنْتَهِيَ.
وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّكُمْ – أَيُّهَا المَساكينُ – تَقِفُونَ بابَ رَبٍّ كَريمٍ، يُجازي بِالحَسَنَةِ أَضْعافَها، وَيَقْبَلُ مِنْ عِبادِهِ، وَيُجْزِلُ لَهُمُ العَطاءَ. وَلْيَكُنْ لِسانُ حالِ كُلٍّ مِنّا: لَنْ أَبْرَحَ حَتّى تَفْتَحَ لي، وَتَتَصَدَّقَ عَلَيَّ؛ فَإِنْ نَظَرَ إِلَيْكَ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ وَإِحْسانٍ وَعَطْفٍ، فَقَدْ كُتِبَتْ لَكَ سَعادَةُ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
ثُمَّ تَذَكَّرُوا – أَيُّهَا الإِخْوَةُ – أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ في نِهايَةِ شَهْرِكُمْ زَكاةَ الفِطْرِ، تُغْنُونَ بِها الفُقَراءَ عَنِ المَسْأَلَةِ في يَوْمِ العيدِ، وَتُرْضُونَ بِها رَبَّكُمْ.
أَوْجَبَها اللهُ عَلَيْكُمْ بِغُروبِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضانَ، وَيَجوزُ إِخْراجُها قَبْلَ ذلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.
وَهِيَ صاعٌ مِنْ طَعامِكُمْ، تَجِبُ على كُلِّ مُسْلِمٍ وَمَنْ يَعُولُ، إِذا كانَ يَجِدُ ما يَزيدُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيالِهِ.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ:
«فَرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضانَ صاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صاعًا مِنْ شَعيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثى، وَالصَّغيرِ وَالكَبيرِ مِنَ المُسْلِمينَ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
اللهم..
المرفقات
1773317463_الجياد في المنعطف الأخير ( وورد).docx
1773317464_الجياد في المنعطف الأخير ( PDF).pdf