العلم بداية نهضة الأمم وبداية العام الدراسي
د أحمد بن حمد البوعلي
العلم بداية نهضة الأمم وبداية العام الدراسي
خطبة الجمعة: الجمعة 28 / 2 / 1447 هـ جامع الشيخ عليبن عبد الله آل ثاني الحي: المزروع الخطيب: د. أحمد بنحمد البوعلي
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي رفع بالعلم درجات، وجعل طلبه عبادة يتقرب بها العباد،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أنسيدنا محمدا عبده ورسوله، كان يفتح للصحابة أبواب المعرفة، ويغرسفيهم نور الهداية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد،
أيها المؤمنون، فإن بداية العام الدراسي ليست أياما عابرة ولا مرحلةشكلية، بل هي محطة عظيمة تتجدد فيها الهمم، وتُشحذ فيها العزائم،وتُستأنف فيها رحلة العلم التي كتب الله لها شرفا لا يبلغه عمل آخر،إنها موسم من مواسم الطاعات، يبتدئ فيه الأبناء والبنات طريقا،وتُبنى فيه عقول، وتُصنع فيه شخصيات، وتُرسم فيه معالم مستقبلأمة.
والعلم يا عباد الله ليس أوراقا تحفظ، ولا دروسا تؤدَّى من غير أثر، بلهو نور يقذفه الله في القلوب، يوسع مداركها، ويهذب أخلاقها، ويقودهاإلى كل خير، ومن كرم الله على عباده أن جعل أول ما أنزل من كتابهأمرا بالقراءة، إشارة إلى أن العلم مفتاح الهداية، وطريق الرفعة،وسياج للأمم من الانهيار والضياع، بل هو سلاح للأمة وعماد لدينهاوحضارتها، كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سلكطريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكةلتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع)) (1)
ومع مطلع كل عام دراسي، تتجدد مسؤولية المدارس والمعلمين والآباءوالطلاب على السواء، فهذه البداية فرصة لتصحيح النية، وإصلاحالمسار، واستشعار أن العلم عبادة لا تقل شرفا عن كثير من الطاعات،فإذا صلحت النية، بارك الله في الجهد، وفتح للطالب من الفهم ما لايفتح لغيره، وألقى في قلبه حب التعلم، وهيأ له من أسباب النجاح ما لايخطر له على بال.
إن افتتاح العام الدراسي دعوة صريحة لنهضة فكرية، يبني فيهاالأبناء مستقبلهم، ويرتقي بها الآباء بأبنائهم، وتنهض بها الأمةبأجيالها، وما تقدم أمة ولا ارتفعت حضارة إلا بمدارسها، ولا ضعفمجتمع إلا بضياع العلم فيه.
وعلى الآباء والأمهات أن يتهيؤوا لدعم أبنائهم، ويحرصوا على تهيئةالظروف المناسبة لهم، وعلى المعلمين أن يتفانوا في تعليمهم وتربيةنفوسهم، ليكونوا أجيالاً صالحة قادرة على خدمة دينها ووطنها.
أيها المسلمون عباد الله، ما من نعمة يمتن الله بها على الأمم بعد نعمةالإيمان مثل نعمة العلم، فالعلم أساس نهضة الأمم وتقدم الشعوبوازدهار الحضارات. وما من أمة بلغت مكاناً علياً ولا نهضة راسخة إلاكان العلم قاعدتها، والمعرفة سبيل رفعتها.
وقد اعتنى الإسلام بالعلم عناية عظيمة، حتى كانت أول آية في القرآنأمراً بالقراءة، قال تعالى:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ،الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1، 5].
بل أقسم سبحانه بأداة العلم ووسيلة الكتابة، قال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَايَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1].
والتعليم مهمة الأنبياء، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَلِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165].
فأول معلم في الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وأول مدرسة فيالإسلام دار الأرقم عند الصفا، ومن تلك النواة صنعت الأمة حضارتهاالكبرى.
وقد سعى النبي صلى الله عليه وسلم إلى نشر العلم والقراءة منذ فجرالإسلام، فجعل فداء أسرى بدر أن يعلموا عشرة من المسلمين، كما فيحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «كان ناس من الأسرى يوم بدر لميكن لهم فداء، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلمواأولاد الأنصار الكتابة» (2)
أيها المؤمنون، إن للعلم شرفاً وأثراً ينبغي أن يستحضره كل طالبومعلم وولي أمر، ومن ذلك:
أولاً: العلم رفعة واصطفاء: قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوامِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه فيالدين» (3)
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كفى بالعلم شرفاً أنيدعيه من لا يحسنه، ويفرح به من ينتسب إليه، وكفى بالجهل ذماً أنيتبرأ منه من هو فيه". (4)
ثانياً: العلم نور للقلوب: قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَيَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].
ثالثاً: العلم يرفع قدر صاحبه حتى من البهائم: قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: 4].
رابعاً: العلم عبادة تستوجب الدعاء بالزيادة: قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].
خامساً: أن أهل العلم شهدهم الله على أعظم شهادة: قالتعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ… وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 18].
سادساً: العلم سبب للأمن وصلاح البلاد: قال ابن القيمرحمه الله: "إذا ظهر العلم في بلد قل الشر في أهلها، وإذاخفي العلم ظهر الشر والفساد" (5)
سابعاً: العلم ثمرة للتقوى: قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُاللَّه﴾ [البقرة: 282].
أيها المؤمنون: تذكروا أن الواجب على الآباء والأمهات والمعلمينوالطلاب أن يحيوا قيمة العلم في بيوتهم ومدارسهم، وأن يغرسوا محبةالعلم والعلماء في قلوب الأبناء.
فاللهم بارك في هذا العام، وافتح فيه للطلاب والمعلمين أبواب الفهم،ويسر لهم العلم النافع، ووفقهم للعمل بما تعلموا، واجعلها بداية عاممبارك على الجميع.
ونسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، ويزيدنا علماً وهدى.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهدأن محمداً عبده ورسوله.
أيها المؤمنون، إن من أعظم الأساليب التربوية ما علّمنا إياه رسول اللهصلى الله عليه وسلم في تعامله مع تلاميذه. ومن أعجب القصص قصةمعاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، يقول: «بينا أنا أصلي معرسول الله صلى الله عليه وسلم، عطس رجل من القوم فقلت يرحمكالله، فرماني القوم بأبصارهم… فلما صلى رسول الله صلى الله عليهوسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه،ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءمن كلام الناس» (6)
وفي بداية كل عام دراسي، تتجدد النية، وتعلو الهمة، وتفتح صفحاتجديدة مشرقة في مسيرة العلم. ومع هذا المعنى، نوجه ثلاث رسائل:
أولاً، الرسالة إلى المعلمين والمعلمات
أيها المعلمون، أنتم القدوة وأسوة الأبناء، وقد جعلكم الله حملة ميراثالأنبياء، قال صلى الله عليه وسلم: «إن العلماء ورثة الأنبياء» (7)
ومما يبشركم:
1- أن من دل طالباً على خير كان له مثل أجره، كما قال صلى الله عليهوسلم:
«من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (8)
2- وأن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض يصلون على معلم الناسالخير. (9)
3- وأنكم من أنفع الناس، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «خيرالناس أنفعهم للناس» (10)
4- وأن أجوركم مستمرة بعد موتكم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أوعلم ينتفع به» (11)
ثانياً، الرسالة إلى الآباء والأمهات
أيها الآباء، إنفاقكم على أبنائكم في التعليم أجر وعبادة إذا صلحتالنية، قال صلى الله عليه وسلم: «ودينار أنفقته على أهلك، أعظمهاأجراً الذي أنفقته على أهلك» رواه مسلم (995)، كتاب الزكاة.
وكل صلاح يتربى أبناؤكم عليه فهو في ميزان حسناتكم، لأنهم منسعْيكم، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39].
ثالثاً، الرسالة إلى الطلاب والطالبات
أيها الأبناء، طلب العلم عبادة، فمن أحسن النية نال خير الدنياوالآخرة. قال صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماًسهل الله له به طريقاً إلى الجنة» (12)
وفي الحديث الآخر: «ألا إن الدنيا ملعونة… إلا عالم أو متعلم» (13)
فأقبلوا على مدارسكم بجد واجتهاد، واعرفوا للمعلمين فضلهم.
حيِّ المعلم وفِهِ التبجيلا ** مفتاح خير للعلوم رسولا
قل لي بربك هل علمت مكرَّمًا ** يرقى لمن أهدى الرشاد عقولا
من مثله وهب الحياة جمالها ** وسعى لينقذ غافلًا وجهولا
صلى عليه الله في عليائه ** إذ كان يجهد للرعيل دليلا
كم علَّم الإنسانَ من آدابه ** وهدى إلى النور المبين سبيلا
أُهديه حبًّا خالصًا وتحيةً ** تغشى المعلم بكرةً وأصيلا
وفي الختام، نحمد الله أن جعل بلادنا رائدة في دعم التعليم والعلماء،وفي المنافسات العالمية، وفي نشر الهداية والعلم الشرعي، وفي التفوقالعلمي الحديث، وهذه نعمة تستوجب الشكر.
نسأل الله أن يوفق أبناءنا للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلعامنا عاما مباركاً، وأن يحفظ بلادنا وولاة أمرنا، وأن يزيدهاأمناً وعلماً ورفعة.
الفهارس:
1- رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل طالب العلم، حديث رقم 2699.
2- رواه أحمد في مسنده (حديث 2715)، كتاب الفضائل، باب فضل المعلم، ورواهالبيهقي.
3- متفق عليه، رواه البخاري (71) ومسلم (1037).
4- جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، ج 1، ص 34.
5- مفتاح دار السعادة، ج 1، ص 70.
6- رواه مسلم (537)، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة.
7- رواه أبو داود (3641)، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم.
8- رواه مسلم (1893)، كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي.
9- رواه الترمذي (2685)، كتاب العلم.
10- رواه الطبراني في الكبير.
11- متفق عليه، مسلم (1631).
12- متفق عليه، مسلم (2699).
13- رواه الترمذي (2322)، كتاب الزهد