الفُحش واللعن
راشد بن عبد الرحمن البداح
3
الفُحشُ واللعنُ (راشد البداح - الزلفي) 29 شوال 1447هـ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}. أما بعدُ:
فيا عبادَ اللهِ! إنها ظاهرةٌ اجتماعيةٌ يُخشَى أن تتفشَّى، إنها سيئةٌمتعلقةٌ باللسانِ الذي هوَ صغيرُ الجِرْمِ لكنه عظيمُ الجُرْم. قالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ)(). وهذهِ الظاهرةُ هي ما تراهُ من انتشارِ الفُحشِفعلاً وقولاً، واستعمالِ الألفاظِ البذيئةِ، عندَ المحادثاتِ والمجالَسَاتِوالمراسَلاتِ.
والفُحشُ هو ما قَبُحَ من القولِ والفعلِ، (بالتَّعْبِيرِ عَنِ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَحَةِ بِالْعِبَارَاتِ الصَّرِيحَةِ)(). فترَى هؤلاءِ يَنطِقونَ بالأقوالِ الأثيمةِ، والألفاظِ الشنيعةِ، بل عباراتُهُم من محيطِ المراحيضِ، وفي وصفِالعوراتِ، وبأسوأِ العباراتِ، مما يَخدِشُ الحياءَ، والجالِسونَ ساكِتونَومجامِلونَ، ومنهم مَن يَضحَكُ ويُشارِكُ، والنكاتُ والمقاطعُ القذرةُ من هذا القبيلِ لا تخفَاكم.
ويكفِي الفاحشَ بقولِهِ، أو المتفحشَ بفعلِهِ أن اللهَ يبغضُهُ. قالَ نبيُنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ وَالْمُتَفَحِّشَ().
ومنهمْ مَنْ إذا وَصَفُوا الآخرينَ فبأسماءِ البهائِمِ والدوابِّ، وبالتنابزِبالألقابِ، وقد قالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: سِبَابُ الْمُؤْمِنِ كَالْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَكَةِ(). وقالَ: أَرْبَى الرِّبَا شَتْمُ الأَعْرَاضِ(). وقالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ. رواهُ مسلمٌ().
أيُّها المسلمونَ: تأملُوا طريقةَ القرآنِ في الكنايةِ عما يُستحيا منه؛ فقد كنَّى اللهُ عن الجماعِ بالملامسةِ، والمباشرةِ، والإفضاءِ، والرفثِ. وقد قالَ تعالَى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} وقالَ: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} وكنَّى بقوله: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}. وقالَ في الجماعِ: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ}. وقالَ كنايةً عن الزنا: {وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ} ومعلومٌ ماذا يوجدُ بين أرجلِهِنَّ.
أما النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإنه كانَ في غايةِ الأدبِ وعفةِاللسانِ؛ فلَمْ يَكُنِ فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا(). وقد سَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، فقَالَ: خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا. قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: تَطَهَّرِي بِهَا! قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي! ثُمَّ إِنَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. متفقٌ عليهِ(). فهلاأخَذَتِ النساءُ المستفتياتُ بهذا الخلُقِ في التكنيةِ عما يُستحيا من ذِكرِهِ؟! وهل تأدَّبَ المُجالِسُونَ والمتحدِّثُونَ والمغرِّدُونَ والمسنِّبونَ والمُرسِلُونَ بهذا الأدبِ النبويِ؟!
الحَمْدُ للهِ وكَفَى، وَصَلاةً وَسَلاماً عَلَى النَّبيِّ المُصْطَفَى. أمَّا بَعْدُ:
فمن المصائبِ المنتشرةِ في المحادثاتِ والمراسلاتِ: انتشارُ اللعنِ، واللعنُ هو الطردُ والإبعادُ من رحمةِ اللهِ -تعالى-. قالَ سلمةُ بنُ الأكوعِ-رضيَ اللهُ عنهُ-: كُنَّا إِذَا رَأَيْنَا الرَّجُلَ يَلْعَنُ أَخَاهُ، رَأَيْنَا أَنَّهُ قَدْ أَتَى بَابًا مِنَ الْكَبَائِرِ().
وكثيرٌ من الناسِ لا يملِكُونَ ألسنتَهُم إذا ما غضِبُوا، بل يَلعنُونَممازِحينَ عدةَ لعناتٍ، فتَراهُم يَلعنُونَ البشرَ والدوابَّ والجماداتِ والأيامَوالساعاتِ، بل وربما لَعَنُوا أنفسَهُم وأولادَهُم. قالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ. متفقٌ عليهِ().
وحتى الدوابُ والبهائمُ والجماداتُ لا يجوزُ لعنُها، فكيفَ بالآدميينَ؟! فلننظِفْ ألسنتَنا من هذا البَذاءِ والوباءِ، ولنقتدِ بهذا المثلِ الرائعِ:
قَالَ جَابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-: اعْهَدْ إِلَيَّ يا رسولَ اللهِ -أي أوصِنِي- فأوصاهُ بكلمتينِ، فقَالَ: لاَ تَسُبَّنَّ أَحَدًا. قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلاَ عَبْدًا، وَلاَ بَعِيرًا، وَلاَ شَاةً. رواهُ أبو داودَ بسندٍ حسنٍ().
ويكفِي اللعنَ قُبحاً ما قَالَهُ الرَسُولُ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ اللَّعَانِينَ لاَ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلاَ شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أي لَا يُشَفَّعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ().
ولأنَّ اللعنَ يَكثرُ من النساءِ فقد بيَّنَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنهُ من أكبرِ أسبابِ دخولِهنَّ النارَ. وأخطرُ منهُ أن اللعنةَ تَرجِعُ على صاحبِها إنْ تلفظَ بها ظلماً، فيكونُ قد دعا على نفسهِ بالطردِ من رحمةِ اللِه.
أيُّها الإخوةُ: إن اعتيادَ مخالطةِ فاسِدِي الألسُنِ يسببُ التعودَ على ألفاظِهِم، وزوالَ شناعتِها من النفسِ. وأما صبيانُنا فقد يتلقَّفُونَ عبرَالجوالاتِ كلماتٍ غريبةً، وبعضُها لها مدلولاتٌ خبيثةٌ فـ{قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}.
فاللهم إنا نسألُكَ العفةَ والعفافَ، اللهم ارزقنا الطُّهرَ والصدقَوالحياءَ.
اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ، وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ الرَّاشِدِينَ.
اللَّهُمَّ إِنّا نسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ.
اللهم احفظْ دينَنَا وبلادَنا وجنودَنا، وأَدِمْ أمنَنا، واحْمِ أرجاءَنَا وأجواءَنَا، وادحَرْ أعداءَنا، وأجِبْ دعاءَنا، واجمعْ شملَ إخوانِنا في بلدانِهِم.
اللهم احفَظْ إمَامَنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وسدِّدْهُ ووليَّ عهدِهِ لهُدَاكَ.
اللهم صَلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ.
المرفقات
1776307003_الفحش واللعن.docx
1776307003_الفحش واللعن.pdf