تَصفيةُ الحسابات.. قبلَ المَمات
الشيخ محمد الوجيه
1447/10/21 - 2026/04/09 14:11PM
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي كتب الفناء على خلقه، وتفرد سبحانه بالبقاء، وجعل الموت ميقاتاً لا يتأخر ولا يتقدم، أحمده سبحانه وهو الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الموت واعظاً للألباب، ومذكراً بالأوبة والمآب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان أكثر الناس لله ذكراً، وأشدهم للقائه استعداداً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]،
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنما الحياة الدنيا حلم، والموت يقظة، والناس بينهما مسافرون.
أيها المسلمون:
ما الموت؟ إن الموت في حقيقته ليس عدماً، بل هو انتقال، وليس هو نهاية الرحلة، بل هو تغيير للجهة. الموت هو اللحظة التي تخلع فيها النفس جلباب الجسد الطيني، لتواجه حقيقتها بلا رتوش.
هو الحقيقة التي نراها كل يوم في غيرنا، وننساها في أنفسنا، هو الغائب المنتظر الذي يطرق الأبواب بلا استئذان، ولا يفرق بين شابٍّ وقور، أو طفلٍ صغير، أو شيخٍ كبير، وكفى بالموت واعظاً كما روي عن النبي ﷺ.
الموت هو المعلم الأكبر الذي يهمس في أذن كل حي: إنك راحل. قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.
تأملوا كلمة ﴿ذَائِقَةُ﴾، فهي توحي بأن الموت كأسٌ لابد أن يُشرب، ومرارةٌ لابد أن تُذاق، لكن شتّان بين من يذوقه وهو على جادة الصواب، ومن يذوقه وهو في تيه الغفلة والسراب؛ فقد قال ﷺ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ"(رواه البخاري).
عباد الله:
كيف نستعد لهذا اليوم؟ الاستعداد للموت ليس بالانقطاع في الصوامع، ولا بترك عمارة الأرض، بل الاستعداد للموت هو "إصلاحُ الحياة".
نستعد له بتصفية القلوب قبل تصفية الحسابات؛ إن أعظم استعداد للموت هو أن تبيت ليلتك وليس في قلبك غلٌّ لمسلم، ولا مظلمةٌ لإنسان.
الاستعداد هو أن تمشي على الأرض خفيفاً من حقوق العباد؛ فلا مالاً أكلت، ولا عرضاً نهشت، ولا دماً سفكت. إن الموت قد يأتي بغتة، فليكن استعدادك في رد المظالم الآن، قبل أن يكون القضاء بالسيئات والحسنات، تذكر قول المصطفى ﷺ: **"مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ" (رواه البخاري).
ونستعد للموت بالعمل الصالح الدائم لا الموسمي؛ المستعدُّ للموت هو من جعل حياته كلها لله، فلا يراه الله حيث نهاه، ولا يفتقده حيث أمره. الاستعداد هو أن تحول عاداتك إلى عبادات، وعملك إلى قربات، فإذا جاءك ملك الموت وجدك في طاعة، أو في سعيٍ على رزق عيالك، أو في جبر خاطر مكسور. قال ﷺ: "بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلاَّ فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ"(رواه الترمذي).
نستعد للموت بتجديد التوبة في كل نفس وثانية؛ المستعد للموت هو "توابٌ أوّاب"، لا يترك ذنباً يبيت معه ليلتين. إن الاستعداد هو أن تعيش بشعار: "تُب الآن، فلعلك لا تدرك الغد". التوبة هي غسل الروح، ومن اغتسلت روحه بالتوبة كل يوم، لم يفزعه لقاء ربه أبداً، فالنبي ﷺ الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ" (رواه مسلم).
الخطبة الثانية
الحمد لله الصلاه والسلام على سيدنا محمد واله ومن والاه اما بعد:
إنَّ حقيقة الاستعداد لهذا الرحيل المرتقب تتجلى في أسمى صورها حين نتمثل تلك الوصية النبوية الجامعة التي سكبها النبي ﷺ في روح ابن عمر رضي الله عنهما حين قال له: "كُن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"؛ فالمؤمن الصادق يعلم يقيناً أنَّ غريب الدار لا يضرب فيها جذور الأمل الطويل، ولا يغرس في تربتها بذور الغفلة والغرور، بل يظل قلبه معلقاً بوطنه الأول، وعابر السبيل لا يثقل كاهله بمتاعٍ يمنعه من مواصلة المسير، بل لا يحمل من الزاد إلا ما يبلغه المنتهى ويحقق له السلامة عند الوصول، وهكذا يكون حال العبد في دنياه، يمر بها ببدنه، وقلبه يرقب مرافئ النجاة.
ويبدأ هذا الاستعداد العملي بكتابة الوصية التي لا ينبغي للمؤمن أن يغفل عنها، وهي وصيةٌ تتجاوز حدود الدراهم والدنانير وقسمة المواريث، لتشمل الوصية بالقيم والأخلاق والحقوق، فيكتب العبد ما له وما عليه من مظالم للعباد، ويوصي أهله من بعده بتقوى الله ولزوم طاعته، لتكون هذه الورقة شهادة صدقٍ بين يديه، وضماناً لعدم ضياع الحقوق التي قد يعجز عن ردها عند بغتة الموت، وكما قال ﷺ: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ"(متفق عليه)، ليرحل عن الدنيا وقد أبرأ ذمته أمام ربه وأمام الناس.
ثم إنَّ من آكد صور التأهب للقاء الله إصلاح ذات البين وتصفية النفوس من كدورات الخصام، فلا يليق بمؤمنٍ يرجو رحمة ربه أن يبيت وفي صدره حقدٌ على أخيه، أو في صحيفته قطيعةُ رحمٍ تهز أركان إيمانه، فإذا كان لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ في سعة الدنيا، فكيف يرتضي لنفسه أن يلقى الله وهو قاطعٌ لرحمه أو مخاصمٌ لمؤمن؟ والرسول ﷺ حذرنا من ذلك بقوله: **"تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا"(رواه مسلم)؛ إنَّ تطهير القلب من الشحناء هو الجواز الحقيقي للعبور، والمستعدُّ حقاً هو من يسابق بالصلة قبل القطيعة، وبالعفو قبل الحساب.
ويكتمل هذا الاستعداد بـ عمارة الوقت واستثمار كل نبضةٍ من نبضات العمر، فالمؤمن يدرك أنَّ كل دقيقة تمرُّ عليه هي في الحقيقة خطوةٌ وئيدةٌ تقربه من حفرته، ونقصٌ في أجله المحدود، لذا فإنَّ الاستعداد الحقيقي يظهر في ملء هذه الخطوات بذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، وإتقان العمل الذي استخلفه الله فيه، مصداقاً لقوله ﷺ:"اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ"(رواه الحاكم)، فلا يضيع لحظةً في باطل، ولا ينفق نفساً في لهوٍ لا ينفع، بل يجعل من حياته كلها محراباً للعبادة، فعمله الصادق في دنياه هو أنيسه في قبره، وصلاح وقته اليوم هو الذي يحدد جلالة قدره عند الرحيل.
اللهم ارحمنا إذا انقطع منا النفس، وتوارى عنا الأهل، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنةً ونعيماً. اللهم بصّرنا بعيوبنا، وأيقظنا من غفلتنا، ولا تأخذنا من الدنيا إلا وأنت راضٍ عنا غير غضبان. اللهم إنا نعوذ بك من موت الفجأة في حال الغفلة، ومن ضيق المحد ويوم الوعيد. اللهم اجعل القبور بعد فراق الدنيا خير منازلنا، وأفسح فيها ضيق مداخلنا، وثبتنا عند السؤال، وآمن روعنا يوم العرض عليك. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
أقيموا الصلاة.
المرفقات
1775733493_تَصفيةُ الحسابات^. قبلَ المَمات.docx
1775733714_DOC-20260409-WA0074..pdf