تيسير الزواج (موافقة للتعميم + مشكولة ومختصرة)

صالح عبد الرحمن
1447/08/03 - 2026/01/22 09:46AM

خُطْبَةٌ عَنْ تَيْسِيرِ الزَّوَاجِ (موافقة للتعميم + مشكولة ومختصرة) 1447/08/04هـ

الخُطْبَةُ الأُولَى:

الحَمْدُ لِلَّهِ ذِي العَظَمَةِ وَالكِبْرِيَاءِ، وَالمُتَفَرِّدِ بِالبَقَاءِ وَالثَّنَاءِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا أَوْلَى مِنَ العَطَاءِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، رَبُّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ الأَنْبِيَاءِ وَإِمَامُ الأَتْقِيَاءِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الأَوْفِيَاءِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقْوَى، فَإِنَّ التَّقْوَى جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، وَجِسْرٌ إِلَى الجَنَّةِ، وَنُورٌ فِي الدُّنْيَا.

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

عِنْدَمَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّجُلَ وَهُوَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَسْكَنَهُ الجَنَّةَ وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ، فَأَصْبَحَ يَسِيرُ فِيهَا مُسْتَوْحِشًا وَحِيدًا لَا يَشْعُرُ بِالسَّعَادَةِ، فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ، وَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ ضِلْعِهِ، فَسَأَلَهَا: مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتِ: امْرَأَةٌ، قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟، قَالَتْ: تَسْكُنُ إِلَيَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)، فَسَكَنَ إِلَيْهَا وَسَكَنَتْ إِلَيْهِ؛ فَهِيَ مِنْهُ وَلَهُ، وَهُوَ أَصْلُهَا وَلَهَا؛ فَالرَّجُلُ لَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا بِالزَّوَاجِ بِالمَرْأَةِ، وَالمَرْأَةُ لَا تَسْتَقِرُّ إِلَّا بِالزَّوَاجِ بِالرَّجُلِ، فَقَدْ خَلَقَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِبَعْضٍ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا رَابِطَةَ السَّكَنِ وَالمَحَبَّةِ.

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَيُّهَا الكِرَامُ: كَانَ الزَّوَاجُ آيَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ العَظِيمَةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)؛ وَسُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً)، وَطَرِيقٌ لِلْعَفَافِ وَصِيَانَةِ الأَعْرَاضِ، وَسَبَبٌ لِاسْتِقْرَارِ المُجْتَمَعِ وَبِنَاءِ الأُسَرِ الصَّالِحَةِ، الزَّوَاجُ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَقْدٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، بَلْ هُوَ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) يُبْنَى عَلَيْهِ السَّكَنُ وَالمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ، هُوَ الحِصْنُ المَنِيعُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّبَابَ، فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ).

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِنَّ تَيْسِيرَ هَذَا الطَّرِيقِ المُبَارَكِ هُوَ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ، تَقَعُ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ عَلَى عَاتِقِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَالأَوْلِيَاءِ، فَكَمْ مِنْ شَابٍّ وَشَابَّةٍ يَرْغَبُ فِي العَفَافِ، وَلَكِنَّ العَوَائِقَ المَادِّيَّةَ وَالاجْتِمَاعِيَّةَ تَقِفُ سَدًّا مَنِيعًا دُونَ تَحْقِيقِ مُرَادِهِ! إِنَّ المُغَالَاةَ فِي المُهُورِ، وَالإِسْرَافَ فِي الحَفَلَاتِ، وَالتَّشَبُّثَ بِعَادَاتٍ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، كُلُّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِهَدْيِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي قَالَ: (أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً، أَيْسَرُهُنَّ مَؤُونَةً) إِنَّ هَذِهِ التَّكَالِيفَ البَاهِظَةَ هِيَ مِنَ التَّبْذِيرِ المَذْمُومِ شَرْعًا، وَهِيَ سَبَبٌ رَئِيسٌ لِوُقُوعِ الشَّبَابِ فِي الدُّيُونِ وَالهُمُومِ، وَعُزُوفِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ عَنِ الزَّوَاجِ، وَتَأْخِيرِ سِنِّهِ، مِمَّا يُهَدِّدُ اسْتِقْرَارَ المُجْتَمَعِ، فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَكُونَ عَوْنًا لِأَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا عَلَى العَفَافِ، لَا عَائِقًا دُونَهُ.

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُفْسِدُ المُجْتَمَعَ وَيُهَدِّدُ بُنْيَانَهُ، هُوَ عَضْلُ النِّسَاءِ، أَيْ مَنْعُهُنَّ مِنَ الزَّوَاجِ بِالكَفْءِ، أَوِ التَّشَدُّدُ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي لَا يَقْبَلُهَا عَقْلٌ وَلَا شَرْعٌ، أَوْ جَعْلُ البِنْتِ صَفْقَةً تِجَارِيَّةً فِي المُفَاوَضَةِ عَلَى مَهْرِهَا بِأَغْلَى الأَثْمَانِ، إِنَّ هَذَا التَّشَدُّدَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفَاسِدُ عَظِيمَةٌ، وَفِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ.

لَقَدْ حَذَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ تَحْذِيرًا شَدِيدًا، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) فَكَفَى بِاجْتِمَاعِ الخُلُقِ وَالدِّينِ، وَلَا تَجْعَلُوا المَالَ أَوِ المَنْصِبَ هُوَ المِعْيَارَ الأَوْحَدَ، فَإِنَّ سَعَادَةَ الأَبْنَاءِ فِي صَلَاحِ الأَزْوَاجِ، لَا فِي ثَرَائِهِمْ.

مِنْ أَجْلِ هَذَا أَيُّهَا المُبَارَكُونَ: فَإِنَّ النَّظَرَ فِي هَذَا الأَمْرِ الجَلِيلِ أَعْنِي تَيْسِيرَ الزَّوَاجِ، هُوَ بِنَاءٌ رُوحِيٌّ وَاجْتِمَاعِيٌّ، أَسَاسُهُ السَّكَنُ وَالمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ، وَهُوَ تَحْقِيقٌ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ النَّسْلِ وَصِيَانَةِ الأَعْرَاضِ. كَمَا أَنَّ تَيْسِيرَ المُهُورِ بَرَكَةٌ، فَكُلَّمَا كَانَ الزَّوَاجُ أَيْسَرَ فِي تَكَالِيفِهِ، كَانَ أَكْثَرَ بَرَكَةً وَأَدْوَمَ اسْتِقْرَارًا، وَالمُغَالَاةُ فِيهِ تُخَالِفُ هَدْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُورِثُ الهُمُومَ. وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ مَنْعَ الفَتَاةِ مِنَ الزَّوَاجِ بِالكَفْءِ هُوَ ظُلْمٌ لَهَا، وَسَبَبٌ لِانْتِشَارِ الفِتْنَةِ وَالفَسَادِ فِي المُجْتَمَعِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ كُلُّ وَلِيٍّ فِي أَمَانَتِهِ.

اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى نِعَمِهِ وَآلَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ.

أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: وَبَعْدَ مَا سَمِعْتُمُ الأَدِلَّةَ وَالأَحَادِيثَ الوَارِدَةَ فِي عِظَمِ الزَّوَاجِ وَمَسْؤُولِيَّةِ الأَوْلِيَاءِ فِي تَيْسِيرِهِ.

فَإِنَّهُ لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً التَّذْكِيرُ وَالتَّأْكِيدُ إِلَى شَرٍّ جَسِيمٍ وَأَمْرٍ جِدُّ خَطِيرٍ، وَهِيَ الدَّعَوَاتُ المُنْحَرِفَةُ الَّتِي تُرَوِّجُ لِلْعُزُوفِ عَنِ الزَّوَاجِ، وَتَسْتَغِلُّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِتَشْوِيهِ صُورَتِهِ، وَبَثِّ مُحْتَوًى مُضَلِّلٍ يُنَفِّرُ مِنْهُ.

إِنَّ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ، وَإِنْ تَظَاهَرَتْ بِالحُرِّيَّةِ أَوِ التَّحَرُّرِ، فَإِنَّهَا تَهْدِفُ فِي حَقِيقَتِهَا إِلَى إِفْسَادِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَهَدْمِ القِيَمِ الأُسَرِيَّةِ، وَمُصَادَمَةِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَمَقَاصِدِهَا الَّتِي جَاءَتْ لِبِنَاءِ الأُسْرَةِ لَا لِهَدْمِهَا. فَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ وَيَقَظَةٍ مِنْ هَذِهِ الأَفْكَارِ الهَدَّامَةِ، وَحَصِّنُوا أَبْنَاءَكُمْ وَبَنَاتِكُمْ بِبَيَانِ جَمَالِ الشَّرِيعَةِ فِي بِنَاءِ الأُسْرَةِ.

وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الأَتْقِيَاءُ: أَنَّ تَيْسِيرَ الزَّوَاجِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الأَوْلِيَاءِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ مُجْتَمَعِيٌّ. فَكَمْ مِنْ شَابٍّ وَشَابَّةٍ يَرْغَبُ فِي العَفَافِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَجِدُ سَبِيلًا! لِذَا، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ الغَرَّاءَ قَدْ وَجَّهَتِ المُجْتَمَعَ وَالمُوسِرِينَ مِنْ أَهْلِ الخَيْرِ، إِلَى إِعَانَةِ الرَّاغِبِينَ فِي الزَّوَاجِ، وَبَيَّنَتْ مَشْرُوعِيَّةَ مُسَاعَدَتِهِمْ بِصِفَةٍ كَرِيمَةٍ تَحْفَظُ كَرَامَتَهُمْ. إِنَّ صَرْفَ الصَّدَقَاتِ وَالزَّكَاةِ لَهُمْ، إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا، هُوَ مِنْ أَعْظَمِ القُرُبَاتِ، بَلْ هُوَ مِنْ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، إِنَّ إِعْفَافَ الشَّبَابِ لَيْسَ عَمَلًا فَرْدِيًّا، بَلْ هُوَ اسْتِثْمَارٌ فِي صَلَاحِ المُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ، فَمَنْ أَعَانَ عَلَى بِنَاءِ أُسْرَةٍ، فَقَدْ أَسْهَمَ فِي بِنَاءِ أُمَّةٍ.

فَيَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: لِتَكُنْ بُيُوتُنَا قُدْوَةً لِتَيْسِيرِ الزَّوَاجِ، وَلِتَكُنْ عَادَاتُنَا مُوَافِقَةً لِشَرْعِ رَبِّنَا، وَلْنَتَعَاوَنْ جَمِيعًا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلْنَعْطِفْ عَلَى شَبَابِنَا وَشَابَاتِنَا، وَنُعِينَهُمْ عَلَى إِكْمَالِ نِصْفِ دِينِهِمْ.

اللَّهُمَّ يَسِّرْ أُمُورَ شَبَابِ المُسْلِمِينَ مِنْ فَتَيَاتٍ وَبَنِينَ، وَاجْعَلْ بُيُوتَهُمْ بُيُوتَ مَوَدَّةٍ وَرَحْمَةٍ وَسَكَنٍ.

المشاهدات 488 | التعليقات 0