جراح المهور وبذخ القصور
الشيخ محمد الوجيه
جراح المهور وبذخ القصور
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي جعل العفة سبيلاً للتقوى، والزواج حصناً من الفتنة، ووعد أهل العفاف بالبركة والسعة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل تيسير الحلال مفتاحاً للسكينة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قدوة الميسرين، الذي زوّج بناته بأيسر المهور ليكون لأمته من بعده خير منار، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخواني: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]،
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71]
.
أما بعد: أيها المسلمون، عباد الله..
اتقوا الله الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل بينكم صهراً ونسباً لتعظم الأواصر وتتآلف القلوب.
إننا اليوم نقف أمام قضية هي أصل في استقرار المجتمع، ألا وهي تيسير المهور.
تأملوا وعد الله الصادق في قوله: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} . يقول الإمام ابن كثير : "هذا ترغيبٌ في التزويج، ووعدٌ من الله للمتزوج طلباً للعفة بأن يغنيه الله بعد الفقر".
ويقول الإمام السعدي "فلا يمنعكم ما تتوهمون من فقر أو كثرة عائلة، فالله واسع الفضل عليم بنياتكم".
فإذا كان الخالق يضمن الغنى للمتزوج، فبأي حقٍ نضع نحن العوائق المادية تحت مسمى "تأمين المستقبل"؟!
إن المغالاة في المهور ليست تكريماً للمرأة كما يظن البعض، بل التكريم في اتباع قول النبي ﷺ: «أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة» (رواه أحمد).
يقول الإمام المناوي : "أي أقلهن مهراً ونفقة؛ فالتيسير يجلب المودة ويخفف الأعباء عن كاهل الزوج، فتبدأ الحياة بالبركة لا بالديون والهموم".
يا أولياء الأمور، يا آباءنا الأفاضل،
إن الشاب الذي يطرق بابكم يريد العفاف، هو أمانة في أعناقكم. فلا تجعلوا بناتكم بضاعة تُباع لمن يدفع أكثر، بل اجعلوا المعيار هو الدين والأمانة.
تذكروا قول النبي ﷺ: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» (رواه الترمذي).
يقول ابن العربي: "إن تقديم المال على الدين في النكاح هو أصل الفساد في المجتمعات". فاتقوا الله ولا تكونوا سبباً في تعطيل شبابكم وفتياتكم عن العفاف.
أيها الناس: إن المظاهر الزائلة من حفلاتٍ باذخة وذهبٍ مثقل للظهور، هي أول من يحرق شمعة المودة في البيوت. ابدأوا حياتكم بالطاعة، ويسروا على المعسرين، واعلموا أن الرزق بيد الله وحده؛ قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّلهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.
اجعلوا من بيوتكم محاضن للتقوى، ومن عقودكم ميثاقاً للرحمة لا عقوداً للمداينة. اقتدوا بالصحابة الكرام الذين كان أحدهم يزوج ابنته بآيات من القرآن أو بخاتم من حديد، فخرج من بيوتهم قادة الأمة وعظماؤها.
أيها المسلمون،إن مما يُدمي القلب ويُورث الكمد، ما آل إليه حال الكثير من بيوتنا اليوم من مباهاةٍ جوفاء، ومغالاةٍ مقيتة في المهور وتكاليف الزواج؛ فلقد تحول هذا الميثاق الغليظ عند البعض من "سكنٍ ومودة" إلى "صفقةٍ ومنافسة"، ومن "عفافٍ وستر" إلى "عنتٍ وقهر".
إن المغالاة في المهور خنجرٌ مسموم في خاصرة المجتمع، فهي التي تكبل الشباب بالديون قبل أن يبدأوا حياتهم، وهي التي تدفع بفتياتنا إلى قطار العنوسة والانتظار المرير، وهي التي تفتح -والعياذ بالله- مسالك الحرام حين يغدو الحلال مستحيلاً.
فاتقوا الله يا عباد الله، واعلموا أن إكرام البنت لا يكون بثمنها، بل بمن يصونها ويتقي الله فيها، وأن أهنأ البيوت وأكثرها سكينة هي تلك التي بُنيت على اليسر والبركة، لا على المفاخرة والمكاثرة؛ فما نُزعت البركة من الزواج إلا حين غلب فيه "حب الظهور" على "طلب الستر"، وحين صار الرضا بالخلق والدين ثانوياً أمام لفتات الذهب وبريق الأموال. فارحموا شبابنا، ويسروا عليهم، لتنالوا رحمة الله وبركته في أهليكم وذرياتكم.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه،
عباد الله: وإن مما يُلحق بالمهور في القبح والمغالاة، ما نراه اليوم في صالات الأفراح من بذخٍ مسرف، وإسرافٍ ممقوت، يُنفق فيه في ليلة واحدة ما قد يبني بيوتاً ويقضي ديوناً؛ لقد تحولت حفلاتنا إلى ميادين للمباهاة والخيلاء، يُسكب فيها المال سكبًا على المظاهر الجوفاء، والولائم التي يُلقى أكثرها في الفلوات، والله سائلنا عن هذا النعيم يوم القيامة.
إن هذا الترف الذي تجاوز الحد، والتبذير الذي أرهق الكواهل، ليس من شكر النعمة في شيء، بل هو مَحقة للبركة، ومدعاة للزوال؛ فكم من بيتٍ أُسس على البذخ والديون فما لبث أن انهار تحت وطأة الهموم، وكم من زوجين بدأت حياتهما بصور الترف وانتهت بمرارة الفقر والندم.
اتقوا الله يا أولي الألباب، واعلموا أن السعادة لا تُشترى بالذهب والأضواء، بل تُنال بطاعة الله والقصد في الإنفاق، فرحم الله عبداً اقتصد في فرحه، وأطعم الجائع، وحفظ حق الله في ماله، وابتعد عن مسالك المترفين الذين "إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا".
اللهم يا من بيده مفاتيح الفرج، ويا من إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.. نسألك باسمك الأعظم أن تيسر لشبابنا وفتياتنا سبل العفاف والستر. اللهم حبب إليهم الحلال وعصمهم من الحرام، وافتح لهم أبواب رزقك من حيث لا يحتسبون.
اللهم يا رحمن، املأ بيوت المسلمين بالسكينة والمودة، وانزع منها كدر الشقاق وضيق الدين. اللهم اهدِ أولياء الأمور لليسر والرحمة، واجعلهم مفاتيح للخير مغاليق للشر. اللهم ارزق كل طالبِ عفافٍ زوجةً صالحة تقر بها عينه، وارزق كل فتاةٍ زوجاً تقياً يصونها ويخافك فيها.
اللهم اجعل أفراحنا طاعة، ونفقاتنا بركة، وبيوتنا واحاتٍ لذكرك. اللهم لا تدع فينا عزباً إلا زوجته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}.. فاذكروا الله يذكركم، وأقم الصلاة.
المرفقات
1769084375_جراح المهور وبذخ القصور.docx
1769084376_جراح المهور وبذخ القصور.pdf