خُطْبَةُ عِيد الْفِطْرِ لعام 1447هـ
أ.د عبدالله الطيار
الْحَمْدُ لِلَّهِ خَلَقَ الْخَلْقَ فَأَحْصَاهُمْ عَدَدًا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، وَمَلَكَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَهَرَ، عَنَتِ الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ، وَخَضَعَتِ الرِّقَابُ لِقُدْرَتِهِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ عَدَدَ مَنْ صَلَّى وَدَعَا بِالْأَسْحَارِ، اللَّهُمَّ أَكْبَرُ عَدَدَ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) يونس: [58]
أيُّهَا المُسْلِمُونَ: هَذَا يَوْمُ عِيدِكُمْ، يَوْمٌ يُوَفَّى الصَّائِمُونَ أُجُورَهُمْ، فَهَنِيئًا لكُم إِتْمَامَ شَهْرِ رَمَضَان، واسْأَلُوا ربَّكُم المزيدَ مِنَ الْفَضْلِ والإِنْعَامِ، وأَبْشِرُوا بِسَعْيٍ مَشْكُورٍ، وَأَجْرٍ مَوْفُورٍ، قَالَ تَعَالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة: [185].
أيُّهَا المؤمنونَ: اعْلَمُوا أَنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا شَعِيرَةٌ من شَعَائِرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قالَ تعالَى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج: [32] فَاجْعَلُوا مِنْ يَوْمِ عِيدِكُم عِبَادَةً لِرَبِّكُمْ، قالَ سُبْحَانَهُ: (لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) الحج: [67] وقالَ النبيُّ ﷺ: (إنّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وإنّ عِيدَنا هذا اليَوْمُ) أخرجه البخاري (3931)
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا يَوْمُ تَصَافٍ وَتَعَافٍ، لَا يَوْمُ جَفَاءٍ وَتَجَافٍ؛ يَوْمُ عَفْوٍ وَغُفْرَانٍ، لا يَوْمُ قَطِيعَةٍ وَهُجْرَانٍ؟ إِنْ لَمْ تَنْتَهِ الْخُصُومَاتُ وَالنِّزَاعَاتُ في هَذَا الْيَوْمِ، فَمَتَى تَنْتَهِي؟ أَمَا آنَ لِلْقَلْبِ أَنْ يَلِينَ؟ وَلِلصَّدْرِ أَنْ يَسْتَكِينَ؟ أَمَا يَسْتَحِي المُتَخَاصِمُونَ أَنْ يَطْلُبُوا الْعَفْوُ مِنْ رَبِّهِمْ وَيَضِنُّوا بِهِ عَلَى أَرْحَامِهِمْ؟ وَهَلْ يَكُونُ الْعِيدُ عِيدًا إلا بتَطْهِيرِ الْقَلوبِ مِنْ الآفَاتِ، وإِصْلاحِ مَا فَسَدَ مِنْ الْعَلاقَاتِ، وإِغْلاقِ مَدَاخِلِ الشَّيْطَانِ، وجَعْلِ الْخِلافَاتِ في طَيِّ النِّسْيَانِ.
أيُّهَا المسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وابْدَأُوا بِأَرْحَامِكُمْ، واعْفُوا واصْفَحُوا، فَمَنْ عَفَى وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلى اللهِ، ومَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلا عِزًّا، وتصالحوا فَمَا ارْتَفَعَ لِمُتَشَاحِنَيْنِ عَمَل، وَلَا طَابَ لِمُتَهَاجِرَيْنِ أَمَل، وتَصَافَحُوا تَمْرُق السَّخِيمَةُ مِنْ صُدُورِكُمْ، ويُبَارِكِ اللهُ فِي أَعْمَارِكُمْ وَعِيدِكُمْ، بَادِرُوا مَنْ قَطَعَكُمْ، وَاعْفُوا عَمَّنْ ظَلَمَكُمْ، وإيَّاكُمْ والْقَطيعَة فِي يَوْمِكُمْ هَذَا، فَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ إِفْسَادٌ فِي الْأَرْضِ، واللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينِ. عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا أنَّ فَرْحَةَ الْعِيدِ لا تَكْتَمِلُ إلا بِوَطَنٍ سَالِمٍ، وأَمْنٍ وَارِفٍ، وَوَحْدَةٍ صَلْبَةٍ تَتَهَشَّمُ عَلَيْهَا أَمَانِي المتَرَبِّصِينَ، وأطْمَاعَ الْحَاقِدِينَ، فاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأَدُّوا شُكْرَ هَذِه النِّعْمَةِ بِالالْتِفَافِ حَوْلَ وُلَاةِ الْأَمْرِ، والْعُلَمَاءِ، ومحبتهم، والدُّعَاءِ لَهُمْ، والذَّبِّ عَنْهُمْ، وجَمْعِ الْقُلُوبِ عَلَيْهِمْ، وَاشْكُرُوا اللهَ عَلَى مَا أَوْلَاكُمْ، وافْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ، وكَبِّرُوا اللهَ عَلى مَا هَدَاكُمْ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إله إلا اللهُ. اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، وللهِ الحمد.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الحمدُ للهِ حقَّ حَمْدِهِ، والشُّكْرُ لَهُ على آَلائِهِ ونِعَمِهِ، وأشهدُ ألّا إلهَ إلّا اللهُ، وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسُولُهُ صَلَّى اللهُ عليْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذا عِيدَين، يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وعِيدُ الْفِطْرِ ولِهَذا مَزِيد فَضْلٍ وأجْرٍ، وعظيم بركةٍ وخيْرٍ، ويُرَخَّصُ لِمَنْ حَضَرَ صَلاةَ الْعِيدِ في عَدَمِ حُضُورِ صلاةِ الْجُمُعَةِ، ويُصَلِّيهَا جماعة ظُهْراً فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وإِنْ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ فَصَلَّى معَ النَّاسِ الْجُمُعَةَ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ: (قَدْ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ؛ فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ)) أخرجه ابن ماجه (1090) وصححه الألباني، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلاةَ الْعِيدِ، فَلا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَة، وَلا يُرَخَّصُ لَهُ في التَّخَلُّفِ عَنْهَا، أَمَّا الأَئِمَّةُ فَيُقِيمُونَ صَلاةَ الْجُمُعَةِ فِي المَسَاجِدِ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَحْضُرَ، أَوْ لِمَنْ لَمْ يَشْهَدِ العِيدَ؛ لِيَبْقَى شِعَارُ الإِسْلَامِ مَرْفُوعاً، وَذِكْرُ اللهِ فِي الأَرْضِ مَسْمُوعاً. اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا اللهُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، وللهِ الحمد.
أيُّتُهَا الْأَخْوَاتُ: اعْلَمنَّ أنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَكُنَّ شُهُودُ صَلَاةِ الْعِيدِ؛ فاحْرِصْنَ عَلى الْجَمْعِ بينَ السُّنَّةِ واجْتِنَابِ الْفِتْنَةِ، واحْذَرْنَ التَّبَرُّجَ والسُّفُورَ، ومُزَاحَمَة الرِّجَالِ والْزَمْنَ السِّتْرَ والاحْتِشَام وَاحْذَرْنَ الانْشِغَالَ بِالتَّوْثِيقِ وَالتَّصْوِيرِ، وَأَكْثِرْنَ مِنَ الذِّكْرِ والتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ. أَسْأَلُ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ يَجْعَلْ عِيدَنَا عِيدَ نَصْرٍ وَتَمْكِينٍ، وأَمْنٍ وَرَخَاءٍ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ وَأَعْوَانَهُمْ وَوُزَرَائَهُمْ لِكُلِّ خيْرٍ، وَاصْرِفْ عنهُمَ كُلَّ شَرٍّ، واجْعَلْهُمْ سِلْمًا لأَوْلِيَائِكَ، وَحَرْبًا عَلى أَعْدَائِكَ، وارْزُقْهُم البِطَانَةَ النَّاصِحَةَ الَّتِي تَدُلُّهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وتُعِينُهُمْ عَلَيْهِ.
واعلموا رحمكم الله أنه كان من هديه ﷺ الذهاب لصلاة العيد من طريق، والرجوع من طريق آخر. اللهم أتم على بلادنا الأمن والأمان والسلامة والإسلام، واحفظها من كيد الكائدين وعدوان المعتدين، اللهم رد كيدهم إلى نحورهم.
اللَّهُمَّ فِي هَذَا الْيَوْم الأَغَرّ الْمَيْمُون اشْفِ مَرْضَانَا، وارْحَمَ مَوْتاَناَ، واجْمَعْنَا ووَالِدِينَا وَإِخْوَاننا، وَأَخَوَاتنَا، وأزْوَاجنَا وذُرِّيَّاتنَا في جَنَّاتِ النَّعِيم.
الجمعة 1/ 10/ 1447هـ