خطبة في الاستسقاء

صالح محمد السعوي
1447/08/24 - 2026/02/12 19:09PM

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة في الاستسقاء

 

بقلم وتأليف/ صالح بن محمد السعوي

يوم الخميس ٢٤/ ٨/ ١٤٤٧ هـ

 

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

أحمده تعالى وهو الإله الحق الذي ما من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا يفقه الناس تسبيحهم.

وأشكره سبحانه وهو على كل حال يشكر، وفي كل أمر ذي بال يذكر.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي ينزل الغيث رحمة بخلقه.

وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله المبعوث ليبلغ الناس شرعه.

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه سادات الأمة وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه وابتغوا وسيلة رحمته بالمخلوقات بإنزال غيثه المدرار وما أيسر هذه الوسائل إنما هي الاستقامة على هذا الدين بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه وتقديم التوبة إلى الله واستدامتها والله يقول: ((وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [النور الآية ٣١].

وسؤال الله التوبة سبقنا إليها خيرةُ خلق الله من آدم عليه السلام إلى خاتم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكذلك الاستغفار، قال سبحانه: ((فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة الآية ٣٧].

وإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يقول الله عنهما: ((وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة الآية ١٢٨].

وموسى عليه السلام يقول الله عنه: ((قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)) [الأعراف الآية ١٤٣].

ورسولنا محمد ﷺ يخبرنا بما يقول: ((قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ)) [الرعد الآية ٣٠].

وقال عز وجل: ((فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ)) [محمد الآية ١٩]

وجمع ﷺ بين الاستغفار والتوبة فقال: "واللَّهِ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إلَيْهِ في اليَومِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً" رواه البخاري

وجاء الأمر بالتوبة والاستغفار في آيات كثيرة من كتاب الله ومنها قوله جل وعلا: ((وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ)) [هود الآية ٥٢]

وقال عز وجل: ((اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا)) [نوح الآيات ١٠،١١،١٢]

وقال عليه الصلاة والسلام: "من لزم الاستغفارَ جعل اللهُ له من كلِّ ضيقٍ مخرجًا ومن كلِّ همٍّ فرجًا ورزقَه من حيث لا يحتسب" رواه أبوداود واللفظ له والإمام أحمد وابن ماجه وهو صحيح الإسناد.

وأمر الله بالدعاء: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)) [غافر الآية ٦٠]

وقال سبحانه: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)) [البقرة الآية ١٨٦]

وقال تعالى: ((هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [غافر الآية ٦٥].

وقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله يقول: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا دعاني" متفق عليه.

وقال ﷺ: "الدعاءَ هو العِبادَةُ" رواه أبوداود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن حبان.

وقال عليه الصلاة والسلام: "ادعوا اللهَ وأنتم موقنونَ بالإجابةِ، واعلموا أنَّ اللهَ لا يستجيبُ دعاءَ من قلبٍ غَافِلٍ لاهٍ" رواه الترمذي وغيره وهو حديث مستقيم الإسناد.

وقال عليه الصلاة والسلام: "إنَّ ربَّكم حِيِيٌّ كريمٌ يستحي مِن عبدِه إذا رفَعَ يدَيه إليه بدعوة أن يرُدَّهما صِفْرًا ليس فيهما شيئاً" رواه الترمذي وغيره وإسناده حسن.

وقال ﷺ: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوتُ فلم يستجب لي" متفق عليه.

وقال عليه الصلاة والسلام: "ما على الأرضِ مُسلِمٍ يدعو اللهَ بدَعوةٍ إلَّا آتاهُ اللهُ إيَّاها، أو صرَف عنه منَ السُّوءِ مِثْلَها، ما لمْ يَدْعُ بإثْمٍ، أو قَطيعةِ رَحِمٍ" فقال رجُلٌ منَ القومِ: إذَن نُكثِرُ. قال: "اللهُ أكثَرُ" رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.

وها نحن خرجنا من بيوتنا واجتمعنا في بيت من بيوت الله نرجو رحمته ونخشى عذابه ونرفع أيدينا بالدعاء والتضرع نلتمس من ربنا استجابة دعواتنا وإغاثة قلوبنا بصلاحها وإنزال الغيث واكتساء الأرض بالنبات.

((رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) [الأعراف الآية ٢٣]

((أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ)) [الأعراف الآية ١٥٥]

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.

اللهم أسقنا غيثاً مغيثاً وحياً ربيعاً وجداً طبقاً غدقاً مغدقاً مونقاً هنيئاً مريئاً مريعاً غبقاً خصباً راتعاً ممره النبات، سائلاً مسيلاً، مجلِّلاً سحاً عاماً دائماً درراً نافعاً غير ضار عاجلاً غير رائث تحيي به البلاد وتغيثُ به العباد وتجعله بلاغاً للحاضر والباد، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.

اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهوراً، فأحيي به بلدةً ميتاً واسقه مما خلقت أنعاماً وأناسيَّ كثيراً.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل في أرضنا زينتها وأنزل فيها سكنها.

اللهم أنبت لنا الزرع وادر لنا الضرع وأنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من بركات الأرض.

اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علينا مدراراً.

اللهم ارحم عبادك وبهائمك واجعل ما أنزلته من غيثك المدرار قوة لنا على طاعتك ومتاعاً إلى حين.

اللهم ارحمنا رحمة تكشف بها ضر المضطرين وبلوى المبتلين، وكرب المكروبين، وتُزيل هم المهمومين.

وترفع البأس عن البائسين والوباء عن الموبوئين، اللهم عمنا برحمتك وجد علينا بفضلك وإحسانك. وأغدق علينا من برك وغيثك وإفضالك، وزدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارض عنا وأعنا ولا تعن علينا وانصرنا ولا تنصر علينا وامكر لنا ولا تمكر علينا واهدنا ويسر الهدى لنا وانصرنا على من بغى علينا، اللهم تقبل توبتنا واغسل حوبتنا وأجب دعوتنا وثبت حجتنا وسدد ألسنتنا واهد قلوبنا واسلل سخيمة صدورنا، وأصلحنا وأصلح الأولاد والزوجات والقادة والعلماء والأمناء وجميع المسلمين وأنت البر الرؤوف الرحيم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

المشاهدات 34 | التعليقات 0