خطبة لبّ الإيمان حبّ الله وتعظيمه

حسين بن حمزة حسين
1447/10/08 - 2026/03/27 19:54PM
الحمدُ للهِ له الأسماءُ الحُسنى والصفاتُ العُلى، يحبُّ من عباده أن يُعظِّموه ويُثنوا عليه، وأن يُحبُّوه ويشكروه، أحمدُه سبحانه، وأشكرُه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا، أمّا بعد:
إِخْوَةَ الإِيمَانِ: اتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الإِيمَانِ القَلْبِيَّةِ، وَأَجَلِّ العِبَادَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْتَنِي بِهَا، مَحَبَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَعْظِيمُهُ، فَهُمَا غِذَاءُ القُلُوبِ، وَنُورُ الإِيمَانِ وَلُبُّهُ، فَالْمَحَبَّةُ تُثْمِرُ الإِقْبَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعْظِيمُ يُورِثُ الهَيْبَةَ والحياء مِنْهُ جَلَّ جَلَالُهُ، وَبِذَلِكَ تَكْتَمِلُ العِبَودِيَّةُ، فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ هُوَ رَبُّنَا وَخَالِقُنَا، وَرَازِقُنَا، وَالْمُنْعِمُ عَلَيْنَا بِكُلِّ نِعْمَةٍ، فَلَا شَيْءَ أَحَبَّ إِلَى الْقُلُوبِ مِنْ خَالِقِهَا وَفَاطِرِهَا، فَهُوَ إِلَهُهَا وَمَعْبُودُهَا، وَوَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، وَرَبُّهَا وَمُدَبِّرُهَا وَرَازِقُهَا، وَمُمِيتُهَا وَمُحْيِيهَا، فَمَنْ مَلَأَ قَلْبَهُ بِهَذِهِ المَحَبَّةِ وَامْتَلَأَ بِتَعْظِيمِ رَبِّهِ، اسْتَقَامَ عَلَى طَاعَتِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَبَلَغَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الإِيمَانِ وَهُوَ الإِحْسَانُ: أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ، فَيُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَيَكْرَهُ مَا يَكْرَهُهُ، وَيُوَالِي مَنْ وَالَاهُ، وَيُعَادِي مَنْ عَادَاهُ، وَيَجْتَنِبُ مَا يُغْضِبُهُ، وَيُسَلِّمُ لِقَضَائِهِ، ويرضى بحكمه وشرعه، وَيَطْمَئِنُّ لِذِكْرِهِ، وَيَنْتَظِرُ وَيَشْتَاقُ إِلَى لِقَائِهِ (مَن أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَن كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ) رَوَاهُ البُخَارِيُّ، فَفِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ قَالَ تَعَالَى: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ عَبْدِي إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأَعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ دَعَانِي لأُجِبَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأَعِيذَنَّهُ) رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَقَالَ ﷺ: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) مُتَّفَقٌ.
إِخْوَةَ الإِيمَانِ: وَاعْلَمُوا أَنَّ مَحَبَّةَ الْمَخْلُوقِينَ وَتَعْظِيمَهُمْ – مِنْ أَنْبِيَاءِ وَصَالِحِينَ، أَوْ وَالِدَيْنِ وَأَهْلِينَ، أَوْ مَتَاعِ الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا – أَمْرٌ مَشْرُوعٌ مَا دَامَتْ فِي حُدُودِ شَرْعِ اللَّهِ، وَلَا تُعَارِضُ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَتَعْظِيمَهُ، بَلْ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِكَسْبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا رَافَقَتْهَا النِّيَّةُ الصَّالِحَةُ، أَمَّا الْمُنْهَى عَنْهُ، مَنْ عَلَّقَ قَلْبَهُ بِغَيْرِ اللَّهِ أَكْثَرَ مِمَّا عَلَّقَهُ بِاللَّهِ، وَعَبَدَ هَوَاهُ وعصَا ربّه، فَقَدْ خَسِرَ قَلْبُهُ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَتَعْظِيمَهُ، قال صلى الله عليه وسلم ( مَن كانَت هِجرَتُه إلى اللهِ ورَسولِه فهِجرَتُه إلى اللهِ ورَسولِه، ومَن كانَت هِجرَتُه لدُنيا يُصيبُها أوِ امرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فهِجرَتُه إلى ما هاجَرَ إليه) رواه مسلم فَالْعَظَمَةُ المُطْلَقَةُ والحبّ الكامل لَا يلِيقُ إِلَّا بالله سُبْحَانَهُ؛ لِكَمالِهِ فِي ذَاتِهِ، وَأَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَإِحْسَانِهِ إِلَى عِبَادِهِ. فَمَا مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمَا دُفِعَتْ نَقْمَةٌ إِلَّا بِرَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُعَظِّمَ رَبَّهُ غَايَةَ التَّعْظِيمِ، وَأَنْ يُحِبَّهُ غَايَةَ الْمَحَبَّةِ، وَيُخْلِصَ لَهُ ذَلِكَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
إِخْوَةَ الإِيمَانِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ زِيَادَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ فِي الْقُلُوبِ، أَنْ تَتَعَرَّفُوا عَلَى رَبِّكُمْ بِأَسْمَائِهِ الحسنى وَصِفَاتِهِ العلى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وَتَدَبَّرُوا كِتَابَهُ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِهِ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وَتَأَمَّلُوا فِي نِعَمِهِ ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، وَانْظُرُوا فِي مَلَكُوتِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، فَمِنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ تَتَجَلَّى عظمته وَيَتَبَيَّنُ كَمَالُ محبته جل جلاله، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَتَعْظِيمَهُ أَصْلَانِ عَظِيمَانِ، بِهِمَا يَكْتَمِلُ الْإِيمَانُ، وَعَلَيْهِمَا تَدُورُ الطَّاعَاتُ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ ظَاهِرِيَّةٍ وَبَاطِنِيَّةٍ إِنَّمَا هِيَ ثَمَرَةٌ لِهَذَيْنِ الأَصْلَيْنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
وَاعْلَمُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – أَنَّ الْقُلُوبَ تَمْرَضُ كَمَا تَمْرَضُ الْأَبْدَانُ، فَاحْذَرُوا مَا يُضْعِفُ الْمَحَبَّةَ وَيُوَهِنُ التَّعْظِيمَ: أشَدّها: الْغَفْلَةَ ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾، وَالذُّنُوبَ الَّتِي تُظْلِمُ الْقُلُوبَ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾، وَالتَّعَلُّقَ بِالدُّنْيَا ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، وَرِفْقَةَ السُّوءِ ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُضْعِفُ الْمَحَبَّةَ، وَكُلُّ غَفْلَةٍ تُطْفِئُ نُورَ التَّعْظِيمِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ..
الخطبة الثانية:
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدُّ النَّاسِ إِخْلَاصًا لِلَّهِ حُبًّا وَتَعْظِيمًا، مُجْتَهِدًا فِي طَاعَتِهِ، مُخْلِصًا فِي عِبَادَتِهِ، قَامَ اللَّيْلَ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)، وَهَكَذَا سَارَ أَصْحَابُهُ الْكِرَامُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَتَبِعَهُمْ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَامْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ، ففازوا برضوان الله عز وجل، والنجاة يوم لقائه، وكانوا أعلام الكون هداة مهتدين، عزا وشرفا وثباتا، فنالوا خَيْرِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
إِخْوَةَ الإِيمَانِ: أَكْمَلُ الْخَلْقِ فِي الْعُبُودِيَّةِ أَعْظَمُهُمْ حُبًّا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ، وعلى قدر حبك وتعظيمك لله عز وجل فالله يحبّك ويعظّمك، حتى تكون حبيبا عند الله عز وجل عظيما ،والله شكورٌ حميد، ويُصَدّق ذَلِكَ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى تَوْحِيدًا وَطَاعَةً وَامْتِثَالًا، فَلَا يُحِبُّ إِلَّا اللَّهَ وَفِي اللَّهِ، وَلَا يَخْضَعُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِهِ، فَلَا يَدْعُو إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يَسْتَعِينُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يَرْكَعُ وَلَا يَسْجُدُ وَلَا يَذْبَحُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَيُصْرِفُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا، جَمِيعُهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ، فَلَا يُشَارِكُ اللَّهَ فِيهَا أَحَدٌ، لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَا حَجَرٌ وَلَا وَثْنٌ، وَلَا قَبْرٌ وَلَا صَنَمٌ، وَلَا أَيُّ أَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَيُحِبُّ دِينَ اللَّهِ وَرُسُلَهُ وَأَتْبَاعَهُمْ، وَيُوَالِيهم، ويعادي من يعاديهم، يَحْكُمُ بِشَرِيعَةِ اللَّهِ وَيُسَلِّمُ لَهَا، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، مُتَّبِعًا أَوَامِرَ نَبِيِّهِ ﷺ، وَاجْتِنَابَ نَهْيِهِ، مُقْتَفِيًا أَثَرَهُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، يَكْرَهُ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالإِلْحَادِ، يَكْرَهُ النِّفَاقَ وَأَهْلَهُ وَصِفَاتِهِمْ، وَيَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، رَافِضًا لِلْبِدَعِ وَأَهْلِهَا لِمَا تَطَاوَلُوا بِهِ عَلَى شَرْعِ اللَّهِ ودين الله، لَا يَتَشَبَّهُ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ فِي دِينِهِمْ وَلَا أَعْمَالِهِمْ، يُحِبُّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ، فَالصَّلَاةُ لَهُ قُرَّةُ الْعَيْنِ، وَيُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَا يَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ،
جدّدوا محبّتكم لله، وأحيوا قلوبكم بتعظيمه، وراقبوه في السر والعلن، فإن القلوب إذا صلحت بمحبة الله  وتعظيمه صلح الجسد كله، وأكثروا من هذا الدعاء العظيم:  «اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عملٍ يقربني إلى حبك». اللهم املأ قلوبنا بحبك وتعظيمك، واجعلنا من أوليائك الصالحين، وثبّت قلوبنا على دينك، وأحسن ختامنا.
المشاهدات 277 | التعليقات 0