خطَرُ الظلم وبيانُ عاقبَتِه 18/ 8/ 1447هـ
أحمد بن ناصر الطيار
الحمد لله الواحدِ العظيمِ، الواسعِ العليم, الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وعلّمه أفضل تعليم.
أحمده وأستعينه وأعوذ به من الزلل، وأستهديه لصالح القول والعمل، وأسأله أن يصليَ على النبي المصطفى, الرسولِ الكريم المجتبى, محمدٍ خاتمِ النبيين، وسيدِ المرسلين، وعلى آله وأصحابِه الطيبين الطاهرين، وسلم تسليمًا كثيرا، أما بعد, فاتقوا الله عباد الله, واعلموا أنّ الله تعالى حرّم الظلم على نفسه, وجعله بين عباده محرَّمًا, وأعظمُ الظلم وأشدُه خطرًا هو الشرك بالله تعالى؛ لأنه وضعٌ للعبادة في غير موضعها، وصرفٌ لها لغير مستحقها، قال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
والله تعالى إنما أرسل الرسل, وأنزل الكتب: لأجل تقرير التوحيد, ونفي الشرك وإبطاله, كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}.
وقد أخبر الله - تعالى - عن كلٍّ من الرسل، مثلَ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وشعيبٍ وغيرهم، أنهم قالوا لقومهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.
وهذا أول دعوة الرُّسل وآخرها.
والقرآن كلّه مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوةِ إليه، وتعليقِ النجاة والفلاح والسعادة في الآخرة به, وهو أولُ الدّين وآخره، وباطنُ الدّين وظاهره.
وحقيقة التوحيد: أنْ تُثْبت إلهيّةَ الحقّ في قلبك، وتنفيَ إلهيةَ ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات.
فتستغني بعبادته عن عبادة غيره، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبموالاته عن موالاة ما سواه، وبسؤاله عن سؤال ما سواه، وبالاستعاذة به عن الاستعاذة بما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وبالتفويض إليه عن التفويض إلى ما سواه، وبالإنابة إليه عن الإنابة إلى ما سواه، وبالتحاكم إليه عن التحاكم إلى ما سواه، وبالتخاصم إليه عن التخاصم إلى ما سواه.
فإذا رسخت هذه المعاني في قلبك قولا وعملا: كنتَ موحدًا لله حقًّا, وعبْدًا له صدقًا.
والله تعالى يُبغض الشرك بغضًا عظيمًا, ويُبغض أهله كذلك.
ومما يبيّن بجلاءٍ شدّة بغض الله للشرك: أنه قال لأحبّ الخلق إليه: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين - بل الله فاعبد وكن من الشاكرين}.
فقد أعْلنها له ربه صراحة: أنه إنْ أشرك – وحاشاه -: ليَحبطنّ جميعُ عمله, وليكونَنّ من الخاسرين, وهذا يُوجب على العاقل أن يتفقّد ويُحاسب نفسه, ويحرصَ أشدّ الحرص ألا يقعَ منه شركٌ وهو يدري أو لا يدري.
ومما يبيّن شدّة بغض الله للمشركين: أنه تعالى قال لنبيّه وخليله محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}، فتوعّده بالعذاب بمجرد الركون إلى المشركين شيئًا قليلا, فكيف بمن يُوالي الكفار ويركن إليهم ويحبّهم ويعاوِنهم ويهنّئهم بأعيادهم؟
نسأل الله السلامة والعافية.
ومن أنواع الظلم: ظلمُ العبدِ لنفسه بارتكابِ المعاصي، والتفريطِ في الفرائض والطاعات، والتهاونِ بحدودِ الله، قال تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}.
وهذا الظلم هو من آثار الظلم الأكبر, وهو عدمُ تجريدِ التوحيد قولا وعملا واعتقادًا, فمن رسخ توحيدُ الله في قلبه عظُمَ إيمانُه, وقَوِيَ يقينُه, وأحَبّ اللهَ وأحبَّ كلَّ ما يُحبّ, وأبغض ما يُبغضه الله وكرهه ونَفَر منه, وإذا ارتكب معصيةً أو قصَّر في طاعةٍ سارع إلى التوبة والإنابة, كما قال تعالى: {إنّ الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}.
فمن يشكو من غفلة, أو تعلّقٍ بمعصية, أو تكاسلٍ عن طاعة: فليُرَسّخِ التوحيد في قلبه قولا وعملا, ومتى رسخ في القلب اجتثّ منه محبةَ كلّ معصية, وامتلأ إيمانًا يستنير به, وانشرح صدره, فتَسْمُو روحُه إلى العلياء طاعةً وعبادة ويقينًا.
ومن أنواع الظلم: ظلمُ العباد بعضهِم بعضًا في الدماء والأموال والأعراض وسائر الحقوق؛ والظلم ظلماتٌ يوم القيامة.
وظلمُ العباد عظيم جدًّا, ويكفي في بيان عظمته وخطره قولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ", وفي رواة: "خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ".
فمن أخذ شيئًا من الأرض بغير حقه ولو مقدار شبر فقط: جُعل له طوقٌ في عنقه والعياذ بالله، يحمله أمام الناس، يخزَى به يوم القيامة، ويتْعب به, وخُسِفَ به يوْم الْقِيامةِ إلى سَبع أرضينَ.
فكيف بمن ظلم أكثر من ذلك.
نسأل الله تعالى أن يُعيذنا من الظلم والطغيان, وأن يبلّغنا بفضلِه مرتبةَ الإحسان, إنه جواد كريم منان.
الْحَمد لله رب الْعَالمين, وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ, وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله, صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا, أما بعد:
معاشر المسلمين: ومن صور الظلم المحرَّم: تفريطُ الموظف في مهامّه وواجباته، واستغلالُه لمنصبه، وتعطيلُه لمصالح الناس؛ لما في ذلك من ظلمٍ للنفس بأكل الحرام، وظلمٍ للغير بتعطيل مصالحهم وحرمانهم من حقوقهم.
وكما أنّه لا يجوز لك أخذ حقّ غيرك, فكذلك لا يجوز لك تضييعُ الحق الذي عليك.
والواجب علينا جميعا أن نتوب إلى الله, وأنّ نُبادر إلى التوبة من الظلم، وردِّ المظالم، والتحلُّلِ من الحقوق, فالتخلّص منها اليوم يسير, وأما بعد فراق الدنيا فهو عسير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت له مظلمةٌ لأخيه من عِرضه أو شيء، فليتحلَّلْه منه اليوم، قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم؛ إن كان له عملٌ صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه".
اللهم إنا نسألك رحمةً تُنجينا من سخطِك, وتُدخلنا بها جنّتك، إنك ربنا رؤوفٌ رحيم.
عباد الله: أكثروا من الصلاة والسلام على نبي الهدى, وإمام الورى, فقد أمركم بذلك جل وعلا فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي.. يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات, وخُصَّ منهم الحاضرين والحاضرات, اللهم فرِّج همومهم, واقض ديونهم, وأنزل عليهم رحمتك ورضوانك يا رب العالمين.
عباد الله: إنَّ اللَّه يأْمُرُ بالْعدْل والْإحْسانِ وإيتاءِ ذي الْقُرْبى ويَنْهى عن الْفحْشاءِ والمنْكرِ والبغْيِ يعِظُكُم لَعلَّكُم تذكَّرُون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
المرفقات
1770193195_خطَرُ الظلم وبيانُ عاقبَتِه.pdf