ذكريات زوجة

عبدالعزيز بن محمد
1447/10/27 - 2026/04/15 14:57PM

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ:

·         (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)

·         (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)

·         (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)

أَيُّهَا المُسْلمون: حَياةُ التَّرَفِ حَياةٌ مُخِيْفَة، وعَيْشُ الرَفاهِيَةٍ عَيْشٌ جَهِيٍد، حَياةُ التَرَفِ كُلَما اتَّسَعَتْ ضَاقَتْ، وكُلَما أَوْرَقَتْ أَرَّقَتْ، وكُلَما أَغْرَتْ أَغْرَقَت. حَياةُ التَرَفِ تَنْقَلِبُ فِيْها كَثِيْرٌ مِنَ المَفاهِيْمِ، وتَتَبَدَّلُ فِيْها كَثِيْرٌ مِنَ القِيَم، وتَنْهَزِمُ فيها كَثِيْرٌ مِنَ المبادِئ. حَياةِ التَرَفِ لا اسْتِقْرارَ لَها ولا اسْتِقامَة، ولا هُدوءَ فيها ولا طُمأَنِيْنَة. حَياةُ التَرَفِ حَياةُ اضْطِرابٍ واخْتِلالٍ واعْتِلال.  

* والأُسْرَةُ المُسْلِمَةُ هِيَ أَشَدُّ مَنْ يُعَانِيْ المشَقَّةَ إِنْ سَلَكَتْ سَبِيْلَ المُتْرَفِيْن. ومَتَى ما تَوَهَّمَتِ الأُسْرَةُ أَنَّ السَّعَادَةَ لا تَكُونُ إِلا في حَياةِ التَّرَفِ، وأَنَّ مَنْ لَمْ يَعِشْ حَياةَ المُتْرَفِيْنَ فَإِنَّ حَياتَهُ في شَقاءٍ، وأَنَّ حَظَّهُ في بُؤْسٍ وعَناء. فَإِنَّ الأُسْرَةَ بذلِكَ تُخاطِرُ في مُسْتَقْبَلِها، وتُخاطِرُ في مُسْتَقْبَلِ أَفْرادِها، وتُغَامِرُ في الطُّمأَنِيْنَةِ التِيْ هِيَ رأَسُ مالِها.  فَلَقْد رَفْرَفَت السَعَادَةُ على أُسَرٍ مُؤْمِنَةٍ رَضِيَتْ بِعَيْشِ القَناعَةِ، ونُزِعَتْ السَّعَادَةُ مِنْ أُسَرٍ ظَلَّتْ تَلْهَثُ خَلْفَ سَرَابِ التَرَفِ. فَما التَرَفُ دَلِيْلُ سَعادَةٍِ، ولا التَّقَشُّفُ دَلِيْلُ بُؤْسٍ.

وفي وَقْفَةٍ مَعَ أُسْرَةٍ مِنَ الأُسَرِ المُسْلَمَةِ التِيْ جَسَّدَتْ ما كَانَتْ عليه أَغْلَبُ الأُسَرِ المُسْلِمَةِ قَبْلَ حَياةِ التَرفِ المُعاصِرَةِ، وقَبْلَ سَطْوَةِ المَادَةِ المُداهِمَةِ، وقَبْلَ إِقْبالِ القُلُوبِ على الدُّنْيا والافْتِتانِ بِمَباهِجِها. وَقْفَةٌ معَ أُسْرَةٍ كَانَتْ تَغْمُرُها السَّعادَةُ مَعَ ما كَانَت عليهِ مِنْ شَظَفِ العَيْشِ، وتَغْشاها السَكِيْنَةُ مَعَ ما كَانَتْ عليهِ مِنْ خُشُونَة الحَياةِ.  وتِلْكَ الوَقْفَةُ لا يُرادُ بِها نَبْذُ النِعَمِ التِيْ أَغْدَقَها اللهُ على عِبادِهِ في هذا الزَمَنِ، ولا يُقْصَدُ مِنْها إِنْكارُ فَضْلِ اللهِ الذِيْ تَفَضَّلَ بِهِ عِلى عِبادِهِ في تذلِيْلِ سُبُلِ الحَياة {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}  

وإِنَّما هِيَ وقْفةُ تَقْدِيْرٍ وتَبْجِيْلٍ وإِجْلالٍ لِتِلْكَ المَعانِيْ السَاميَةِ والقِيَمِ النَبِيْلَةِ، التِيْ كانَتْ عليهِ تِلْكَ الأُسَرُ المُسْلِمَةُ، والتِيْ يَجِب على الأُسْرِ أَنْ لا تَتَخَلَّى عَنْ التَّمَسُّكِ بِها مَهْما تَغَيَّرَتْ الأَزْمانُ، ومَهْما تَقَلَّبَت الأَحْوال.

أُسْرَةٌ حَوَتْ زَوْجَيْنِ كَرِيْمَيْن: شَابٌّ عِصامِيٌّ شَهْمٌ غَيُورٌ، وفَتاةٌ زَكِيَّةٌ بَرَّةٌ تَقِيَّة. رَوَتِ أَسْماءُ بِنتُ أَبِيْ بَكْرٍ الصِّدِيْقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا مَوْقِفاً عَلِقَ في ذاكِرَتِها مِنْ تارِيْخِها وتاريخِ بِدايَةِ أُسْرَتِها، فَقَالَت: (تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ بن العَوامِ، وَمَا لَهُ فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلاَ مَمْلُوكٍ وَلاَ شَيْءٍ، غَيْرَ نَاضِحٍ وغَيْرَ فَرَسِه -والناضِحُ هُوَ البَعِيْرُ الذِيْ يُسْقَى عليهِ الماءَ- قَالَتْ: فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَسْتَقِي المَاءَ. وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِي، والأَرْضُ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ -أَيْ تَبْعدُ تِلْكَ الأَرضُ عَنْ بَيْتِها ِما يُقارِبُ أَرْبَعَةَ كِيلُومِتْرَاتٍ- قَالَتْ: فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ: "إِخْ إِخْ" -وهُوَ صُوْتٌ تُزْجَرُ بِهِ النَاقَةُ لِتَبْرُكَ- لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ. قَالَتْ: فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ، وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ. قَالَتْ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى. قَالَتْ: فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلْتُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَنَاخَ لِي -البَعِيْرَ- لِأَرْكَبَ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ، وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ لَها الزُّبَيْرُ: (وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ). قَالَتْ: (حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ -تَعْنِيْ والِدَها- بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَةَ الفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي» متفق عليه  يَا لَهُ مِنْ تَارِيخِ أُسْرَةٍ مُشْرِقٍ يَفِيْضُ بالمَعانِيْ الجَليْلَةِ، ويَسْمُو بالمَعانِيْ السَّامِيَةِ، ويَزْخُرُ بالوَقَفاتِ التَرْبَوِيَّةِ. يُدْرِكُها مَنْ أَعْمَلَ عَقْلَهُ بِعُمْقٍ، وأَحْضَرَ فِكْرَهُ بِوَعْيٍ، واسْتَدْعَى بَصِيْرَتَهُ بِصِدْقٍ. ولَنْ يُدْرِكها مَنْ تَجَاهَلَها وتَغَافَلَها وأَعْرَضَ عَنْها، ولَوَى رأَسَهُ واسْتَدار. * قَالَتْ أَسْماءُ: (تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ، وَمَا لَهُ فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلاَ مَمْلُوكٍ، وَلاَ شَيْءٍ) لَقَدْ أَقْبَلَ الزُّبَيْرُ إِليها خَاطِباً، وهُوَ شابٌ مُعْدَمٌ فَقِيرٌ، ولِكنَّهُ كَانَ غَنِيَّ أَخْلاقٍ، ووافِرَ دِيانَةٍ، وثَرِيَّ أَدَبٍ، فَقَبِلَتْ بِهِ زَوْجاً، ورَضِيَتْ بِهِ بَعْلاً، إِذْ أَدْرَكَتْ بِرَجاحَةِ عَقْلِها أَنَّ سَعادَتَها تَكْمُنُ في طَيَّاتِ صَلاحِ زَوْجِها ودِيانَتِهِ وخُلُقِه، وأَما غِنا المَالِ، فَإِنَّما هوَ مَدَدٌ مِن اللهِ، وقَدْ وَعَدَ اللهُ الأَزْواجَ الصَّالِحَينَ بِه {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}  وإِذا الفَتاةُ لَمْ تُبالِ بِتَدَيُّنِ خاطِبِها ولا بأَخْلاقِهِ، وإِنِّما تَطَلَّعَتْ إِلى وَسامَتِهِ أَو مَكانَتِه، أَو وَظِيْفَتِهِ أَو مَلاءَتِه، فَإِنَّما تَنازَلَتْ عَنْ أَكْرَمِ سَببٍ لِسَعادَتِها، وأَهْمَلَتْ أَعْظَمَ وَصِيَّةٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ لَها: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ».

* ثُمَّ قَالَتْ أَسْماءُ رضي الله عنها: (فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ) وتِلْكَ أَكْرَمُ صِفَةٍ تَتَجَمَّلُ بِها الفَتاةُ، وأَشْرَفُ خُلُقٍ تَتَخَلَّقُ بِه.  (فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ) اسْتَحْيَتْ أَنْ تَسِيْرَ مَعَ الرِجال، وهُمْ أَشْرَفُ رِجالٍ، وأَكْرَمُ رِجالٍ، وأَعَفُّ رِجالٍ، وأَصْلحُ رِجالٍ. يَكْفِيْ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ فِيْهِم رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. (فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ) كَلِمَةٌ تَتَقاصَرُ دُونَ سُمُوِّها كُلُّ كَلِماتِ الإِطْراءِ والمَدْحِ والثَناءِ. إِذ الحَياءُ هُو العُنْصُرُ الأَشْرَفُ في المَرأَةِ. وما نُزِعَ الحَياةِ مِنَ فَتاةٍ إِلا تَلِفَتْ. وَلَمْ يَكُنْ خُلُقُ الحَياءِ خاصَاً بِتِلْكَ الفَتاةِ، وإِنَّما هُوَ الفِطْرَةُ التِيْ جُبِلَتْ عَلِيْها كُلُّ فَتاةٍ سَوِيَّةٍ. يَبْقَى الحَياءُ مُلازِماً لَها ما لَمْ يُعْبَثْ بِفِطْرَتِها، وما لَمْ تُصَبْ الفَتاةُ بِأَوْبِئِةُ الحَضارَةِ المَادِّيَّة.  يَبْقَى الحَياءُ يُهَذِّبُ أَفْكارَها، ويُنَوِّرُ آرَاءَهَا، ويَصُونُ عِرْضَها، ويَحْمِيْ كَرامَتَها. ويَصْنَعُ مِنْها أَشْرَفَ فَتاةٍ، يَتَمَنَى كُلُّ شَابٍّ عَفِيفٍ كَرِيْمٍ أَنْ يَظْفَرَ بالاقْتِرانِ بِها.

خلقُ الحَياءِ لَيْسَ دَعْوَى تَدَّعِيهِ الفَتاةُ، وإِنَّما هُوَ خُلُقٌ مُتَجذِّرٌ في أَعْماقِ النَّفْسِ، والأَفْعالُ والأَحْوالُ والكَلِماتُ الخُطُواتُ تُصَدِّقُ ذلِكَ أَو تُكَذِّبُه. والحِجابُ أَصْدَقُ دَلِيْلٍ على صِدْقِ الحَياءِ {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} فَعَلى اسْتِحياءٍ كانَ مَجِيؤُها. وعلى اسْتِحياءٍ كَانَ قَوْلُها. فأَكْرِم بِها مِنْ كَرِيْمَة. بارك الله لي ولكم

 

الخطبة الثانية
 

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وأَشْهَدُ أَن لا إله إلا اللهُ ولي الصالحين، وأَشْهَدُ أَنَّ محمداً رسول رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليماً.  أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْن

أيها المسلمون: قَالَتْ أَسْماءُ رَضْيَ اللهُ عَنْها: (فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ) يُهْمَسُ في أُذُنِ كُل فَتاةٍ مُؤْمِنَةٍ: أَنْ احْفَظَي حَياءَكِ واحْذَرِيْ أَنْ يَهُونَ أَمْرُ الحَياءِ عَلِيْك، فَما رَضِيَتْ فَتاةٌ بمُخالَطَتِها للرِّجَالِ ولا أَكْثَرَتْ مِنْ مُقابَلَتِهِم، ولا اسْتَمْرأَتِ السَيْرَ أَمامَهُم والحَدِيثَ أَو الجُلُوسَ مَعَهُم، إِلا تَرَحَّلَ حَياؤُها وضَعُفَتْ دِيَانَتُها.

ويُهْمَسُ في أُذُنِ كُلِ والِدٍ ووالِدَةٍ: أَنْ اعْلَمُوا أَنَّ الحَياءَ شُعْبَةٌ مِنَ شُعَبِ الإِيْمانِ. وأَنَّ أَساسَ الحَياءِ بِذْرَةٌ كامِنَةٌ في نَفْسِّ الطِفْلِ. فَإِنْ سُقِيَتْ ورُعِيَتْ واعْتُنِيَ بِها، طَابَ نَماؤُها وصَلَحُ ثَمَرُها. وإِنْ أُهْمِلَتْ وضُيِّعَتْ وأَمِيْتَتْ خَبُثَ نَتاجُها.

والوالِدانِ مَسْؤُولانِ عَنْ تَرْبِيَةِ أَوْلادِهِما على لُزُومِ الحَياءِ، وعلى أَنْ يَكُونَ الحَياءُ خُلُقٌ لا يُفارِقُ حَياتَهُم في كُلِ مَراحِلِ أَعْمارِهِم. كُما يُهْمَسُ في أُذُنِ كُلِ والِدٍ ووالِدَةٍ: أَنْ اعْلَمُوا أَنَّ الفَتاةَ التِيْ تُرَبَى عَلى قِلَّةِ الحَياِء في طُفولَتِها، وعلى للباسِ الفاضِحِ في صِغَرِها، فَإِنَّها لَنْ تَكْتَسِبَ الحَياءِ تكَلُّفاً إِذا كَبُرَتْ (وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه).

* ثُمَّ قَالَتْ أَسْماءُ في حَدِيْثِها: (وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ) وغَيْرَةُ الرَّجُلِ هِيَ مَادَةُ رُجُولَتِهِ، وهِيَ دَلِيْلُ كَرَامَتِهِ، وهيَ إِشَارَةُ شَرَفِهِ ونَخْوَتِهِ. ومَنْ لا غَيْرَةَ لَهُ عَلى حُرُماتِه، لا حِمايَةَ لَهُ لِعَوْرَاتِه. ومَنْ لَمْ يَكْنُ لَهُ غَيْرَةٌ على أَهْلِهِ، تَجَرَّأَتْ عَلِيْهِم كِلابُ الفُجُور، وقَدِيْماً قِيْلَ:

تَعْدُو الكِلابُ عَلى مَنْ لا أُسُوْدَ لَهُ  **  وتَتَّقي صَوْلَةَ المُسْتَأْسِدِ الضَّاري

* قَالَتْ أَسْماءُ رَضْيَ اللهُ عَنْها: (حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ -تَعْنِيْ والِدَها- بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَةَ الفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي) لَقَدْ كَانَتْ أَسْماءُ تَقُومُ على شُؤْونِ بَيْتِها في مَنْأَى عَنِ الرِجالِ. فَلَمْ تَتَبَرَّمْ مِنْ مَشَقَّةِ الكَدْحِ، ولَمْ تَتَخَلَّ عَنْ مَسؤُوليَّتِها في بَيْتِها، تَقُومُ على شُؤُونِ البَيْتِ صَابِرَةً مُحْتَسِبَةً، كَما أَنَّ زَوجَها يَقُومَ على شُؤْونِ الأُسْرَةِ خارِجَ البَيْتِ صابِراً مُحْتَسِباً. وقَدْ عَلِمَتْ أَسْماءُ بِفَقْرِ زَوْجها، فَلَمْ تَتَبَرَّمْ، ولَمْ تَتضَجَّرْ ولَمْ تَحْتَقِر. ولَمْ تُلِحَّ أَنْ يُحْضِرَ لَها خادِماً يَتَحَمَّلُ عَنْها عَناءَ أَعْمالِها. حَتَى يَسَّرَ اللهُ لَها مَنْ أَمْرَها، إِذ جاءَها المَددُ مِنْ والدِها، قَالَتْ: (فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي).

فَهْلْ تَعِيِ ذلكَ بَعْضُ النِّساءِ اللاتِيْ يَرَيْنَ قِلَّةَ حِيْلةِ أَزْواجِهِنَّ، وضَعْفِ قُدُرتِهِم المادِيَّةِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَقْصُرْنَ عَنْ كَثْرَةِ المَطالِبِ، وكَثْرَةِ التَشَّكِيْ وإبرازِ المَعايِب.

* والزُوُجُ الصَّالِحُ ذُو خُلُقٍ وأَدَبٍ ودِيْن. فَلمَّا أَخْبَرَتْ أَسْماءُ زَوْجَها الزُّبَيْرَ بِما كَانَ. أَظْهَرَ لَها غَايَةَ التَلَطُّفِ والرِّقَةِ والرِّفْقِ والليْن، وقَالَ لَها: (وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ) أَيْ: إِنَّ المَشَقَّةَ التِيْ تُلاقِيْنَها في عَمَلِكِ، كَانَتْ أَقْسَى على نَفْسِيْ وأَشَد.  فَشَاطَرَها الأَلَمُ بمُلاطَفَتِها، وبتَوُجُّعِهِ لِنَصَبِها وتَعَبِها {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}

ربنا هب لنا من أزوجنا وذرياتنا..  

المرفقات

1776254250_ذكريات زوجة 29- 10- 1447.docx

المشاهدات 44 | التعليقات 0