ظَاهِرَةُ العُزُوف عَنِ الزَّوَاج -أَسْبَابُهَا وَعِلاجُهَا-.
أ.د عبدالله الطيار
الْحَمْدُ للهِ الْعَلِيِّ الأَعْلَى، يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى، وَيَسْمَعُ الشُّكْرَ وَالشَّكْوَى، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ أجمعين أَمَّا بَعْدُ:فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) البقرة:[281].
أيُّهَا المؤْمِنُونَ: إنَّ الزَّواجَ في الإسلامِ آيةٌ مِنْ آَيَاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وَسُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) الروم: [21] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) الرعد: [38] فَالزَّوَاجُ شَرِيعَةُ اللهِ لِعِبَادِهِ، وَفِطْرَتُهُ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.
عِبَادَ اللهِ: وَقَدْ أَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ بِالزَّوَاجِ بِقَوْلِهِ: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) النور: [32] وَأَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ الشَّبَابَ بِقَوْلِهِ: (يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ؛ فإنَّه له وِجَاءٌ) أخرجه البخاري (5066) ومسلم (1400) وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الزَّوَاجَ شَرِيعَتُهُ وَهَدْيُهُ، وَأَنَّ الرَّاغِبَ عَنْهُ، لَيْسَ عَلَى هَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ، قَالَ ﷺ: (أَما واللَّهِ إنِّي لَأَخْشاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقاكُمْ له، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي) أخرجه البخاري (5036) ومسلم (1401).
عِبَادَ اللهِ: وَإِنَّ مِنَ الظَّوَاهِرِ الْبَغِيضَةِ، وَالأَسْقَامِ المُضْنِيَةِ، وَالْعَوَارِضِ المُؤْذِيَةِ الَّتِي تَلُوحُ فِي
بَعْضِ بِلادِ المُسْلِمِينَ، وَتُنْذِرُ بِخَطَرٍ عَظِيمٍ، وَخَرْقٍ جَسِيمٍ فِي الْفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ، عُزُوفُ بَعْض الشَّبَاب وَالْفَتَيَات عَن التَّشْرِيعِ الإِلَهِيِّ، وَالْهَدْيِ النَّبَوِيّ، وَالطَّبْعِ الإِنْسَانِيّ بِالدَّعْوَةِ إِلَى تَأْخِيرِ الزَّوَاجِ أَوْ تَرْكِهِ بِالْكُلِّيَّةِ بِحِجَجٍ وَاهِيَةٍ، وَأَعْذَارٍ بَاهِتَةٍ، وَآَصَارٍ جَسِيمَةٍ وَأَغْلالٍ ثَقِيلَةٍ فَرَضَتْهَا الْعَادَاتُ وَالتَّقَالِيدُ، مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، فَجَعَلَت الزَّوَاجَ غَايَةً لا تُدْرَكُ.
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَالْعُزُوفُ عَنِ الزَّوَاجِ: اعْتِدَاءٌ عَلَى الطُّهْرِ وَالْعَفَافِ، وَجِنَايَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى المُجْتَمَعِ، وَسَبَبٌ لِنَشْرِ الرَّذِيلَةِ، وَوَأْدِ الْفَضِيلَةِ، وَلَهُ أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:
أَوَّلًا: بَعْضُ الأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ يُغَالُونَ فِي المُهُورِ، وَمُتَطَلَّبَاتِ الزَّوَاجِ، وَتَنَاسَوْا أَنَّ مِنْ بَرَكَةِ المَرْأَةِ تَيْسِيرَ أَمْرِ خِطْبَتِهَا وَصَدَاقِهَا، فَأَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً، يَقُولُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (ألا لا تُغالوا بصُدُقِ النِّساءِ فإنَّها لو كانت مَكرمةً في الدُّنيا أو تقوى عندَ اللَّهِ لَكانَ أولاكم بِها النَّبيُّ ﷺ) أخرجه أبو داود (2106) وصححه الألباني.
ثَانِيًا: وَبَعْضُ الأَوْلِيَاءِ يُؤَخِّرُونَ زَوَاجَ موليَاتِهِم بِلا مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ، فَيرُدُّونَ الْخَاطِبَ الْكُفْءَ، وَيُخَالِفُونَ أَمْرَ النَّبِيَّ ﷺ الْقَائِل: (إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَه وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِنْ لا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) أخرجه الترمذي (1085) وحسنه الألباني في إرواء الغليل (1868).
وَصَدَقَ اللهُ الْعَظِيمُ: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ) الأحزاب: [21]
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، وتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْعُزُوفِ عَنِ الزَّوَاجِ.
ثَالِثًا: رِقَّة الدِّينِ، وَضَعْف الْعَقِيدَة في قُلُوبِ بَعْضِ الشَّبَابِ الَّذِي لا يَتَوَرَّع أَنْ يُطْلِقَ لِشَهَوَاتِهِ الْعَنَانَ، وَلِبَصَرِهِ الزِّمَامَ، فَيَفْسَد قَلْبُهُ، وَتَسُوءُ فِطْرَتُهُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ.
رَابِعًا: وَمِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ الْعُزُوفِ عَنِ الزَّوَاجِ الْفَقْرُ، وَقِلَّةُ ذَاتِ الْيَد، وَهُنَا يَأْتِي دَورُ المجْتَمَع فِي الدَّعْمِ وَالمُسَاعَدَةِ، وَغَرْسِ الطُّهْرِ وَالْعَفَافِ في المُجْتَمَعِ، بِمُسَاعَدَةِ المُقْبِلِينَ عَلَى الزَّوَاجِ وَإِعَانَتِهِم مَادِّيًا، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الصَّدَقَاتِ الْجَارِيَةِ، ولا سيما إعانة الجمعيات الرسمية التي تُقَدِّمُ الدَّعْمَ لِلْمُقْبِلِينَ عَلَى الزَّوَاجِ الَّذِينَ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِم الشُّرُوطُ بِقُرُوضٍ حَسَنَةٍ، وَإِعَانَاتٍ زَكَوِيَّةٍ، فَيَجُوزُ إِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لِلْمُقْبِلِينَ عَلَى الزَّوَاجِ إِذَا كَانُوا لا يَجِدُونَ مُؤْنَتَهُ.
خامسًا: ومن أسباب العزوف عن الزواج تلك المبالغات في مناسبات الزواج من حين العقد، إلى ما بعد دخول الزوج بزوجته، وصرف أموال طائلة على ذلك، وكان الأولى بهذه الأموال أن ينتفع بها الزوجان.
أسْأَلُ اللهَ عزَّ وجلَّ أَنْ يَهْدِيَ الشَّبَابَ وَالْفَتَيَات لِلطُّهْرِ وَالْعَفَافِ، وَأَنْ يَرْزُقَهُم صَلاحَ الْقَلْبِ، وَسِعَةِ الرِّزْقِ.، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَمُرَاقَبَتَكَ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسْلامَ والمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشْرِكِينَ، وانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَينِ الشَّرِيفَيْنِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى اَلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَأَعِنْهُ، وَسَدِّدْهُ، وَاكْفِهِ شَرَّ الأَشْرَارِ، وَاجْعَلْهُ مُبَارَكًا أَيْنَمَا كَانَ. اللَّهُمَّ احْمِ حُدُودَنَا، واحْفَظْ رِجَالَ أَمْنِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلامِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الجمعة 4/ 8/ 1447هـ