عبادات آخر رمضان وصفة صلاة العيد

عبادات آخر رمضان وصفة صلاة العيد 1447/9/24هـ

 الحمدُ للهِ على نعمائِه.. والشكرُ له على توفيقِه وعطائِه.. وأشهدُ ألا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له المتفردُ بكبريائِه، أعطى فأجزل ومنحَ فتفَضَّل.. وأشهدُ أن محمداً عَبدُه ورسولُه ومصطفاهُ وخليلُه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.. أما بعد أيها الإخوة: اتقوا الله حقَ التقوى واستمسكوا من الإسلامِ بالعروة اِلوثقى.. واعلموا أن شهرَ رمضان قد تهيأ للرحيل، ولم يبق منه إلا النزر القليل؛ فاستثمروا ما بقي منه بما يقربُكم إلى ربكم.. وما هي إلا بضعة أيام وينقضي فشمروا عن ساعد الجد فإن الجنة لا خطر لها.. واصبروا ولا تفرطوا فتندموا.. فكم من متمننٍ ممن فارق الحياة ما منحكم الله من فرصٍ لطاعته، فقد مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- بِقَبْرٍ، فَقَالَ: «مَنْ صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ؟» فَقَالُوا: فُلَانٌ. فَقَالَ: «رَكْعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ» رواه الطبراني في الأوسط عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وقال الألباني حسن صحيح. وَقالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- «الصلاةُ خيرُ موضوعٍ، فمَن استطاع أنْ يستكثِرَ فَلْيَسْتَكْثِرْ». رواه الطبراني في الأوسط عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وقال الألباني حسن لغيره. واعلموا وفقني الله وإياكم أن الله قد شرع لنا في ختام شهرنا عبادات جليلة نزداد بها إيمانًا، وتكملُ بها عبادتُنا، شرع لنا زكاةَ الفطرِ، والتكبيرَ، وصلاةَ العيد. أما زكاةُ الفطرِ فإنها فريضةٌ فرضَها رَسُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- على المسلمينَ، وما فرضَهُ أوْ أمَرَ به فلَهُ حكمُ ما فرضَه اللهُ تعالى أو أمَرَ به، وقد «فَرَضَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ» متفق عليه عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-.. ويجبُ عَلَى المُسلِمِ أَنْ يُخرجَها عن نفسِه، وعمن تَلْزَمُه مَؤُونَتُه من زوجةٍ أو قريبٍ إذا لم يستطيعوا إخراجَها عن أنفسِهم. فإن استطاعوا فالأولى أن يُخرجُوهَا عن أنفسِهم لأنَّهُم المخاطَبُون بها أصْلًا.. وهي تطهيرُ للصائمِ مما يحصلُ في صيامِه من نقصٍ ولَغْوٍ وإثْمٍ، وَقَدْ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» رواه أبو داود وابن ماجة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- وحسنه الألباني.. وسُميت الأعمال الصالحة زكاة لأنه ينمو بها عمل فاعلها ويرتفع قدره.. والواجبُ في الفطرة أن تخرج من طعام الآدميين، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: «كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ»، وَقَالَ: «وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ» رواه البخاري.. ولا تخرجوها من النقود؛ لأن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- فرضها من الطعام؛ فلا يُتعدى ما عيَّنه.. وإخراجُها من النقود مخالفٌ لفعل الصحابةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم- فقد كانوا يخرجونها صاعاً من طعام وهم أقربُ الناسِ وأعلمُهم بهديه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- وإخراج الفطرة من النقود يُخرجها عن كونها شعيرة ظاهرة إلى صدقة خفية.. ومقدارها صاع وحدده شيخنا محمد بن عثيمين -رحمه الله- بكلويين وأربعين غرامًا بالبر الجيد.. وتجب بغروب الشمس ليلة العيد، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين، ومن أخرجها بعد صلاة العيد بلا عذر فهي صدقة من الصدقات لا تبرأ بها ذمته.. وادفعوها لفقراء المكان الذي أنتم فيه وقت الإخراج.. وحسنوها وكملوها، ولتكن من أطيب أموالكم التي تجدون، فلن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون..

أيها الأحبة: ومما يشرع لكم بعد إكمال العدة التكبير ووقته من غروب الشمس ليلة العيد إلى صلاة العيد، قال الله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة:185] ويسن الجهرُ به للرجال في المساجد والأسواق والبيوت، إعلانًا بتعظيم الله وإظهارًا لعبادته وشكره.. واخرجوا وفقكم الله إلى صلاة العيد متنظفين متطيبين والبسوا أحسن الثياب امتثالًا لأمر رسولنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- وابتغاء الخير، ودعوة المسلمين، فكم في ذلك المصلى من خيراتٍ تنـزل وجوائزَ من الرب الكريم تحصُل، ودعوات طيبات تقبل.. واخرجوا نساءكم ومن تحت أيديكم من الذرية لأمرِ الرسولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- بذلك..

والسنة أن يأكل قبل الخروج إلى المصلى تمرات وترًا ثلاثاً أو خمساً أو أكثر إن أحب، ويقطعهن على وتر لفعل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- والأفضل الخروج لصلاة العيد مشيًا إلا من عذر كعجز أو بعد، وستقامُ الصلاة إن شاء الله هذا العام في هذا الجامع في تمام الساعة: السادسة وثلاث وعشرون دقيقة.. ومن السنة في صلاة العيد: أن يُكبر تكبيرة الإحرام ثم يدعو بدعاء الاستفتاح، ثم يكبر ست تكبيرات، ثم يتَعَوَّذَ ويقرأ بالفاتحة وسورة .. وفي الركعة الثانية يكبر خمسًا بعد تكبيرة الانتقال، ثم يقرأ.. والسنة رفع اليدين مع كل تكبيرة ولا يجهر المأموم بالتكبير.. واستحب بعض العلماء للمصلي أن يقول بين التكبيرات ما روي عن ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لما سُئِلَ عن لك قال: «تَقُولُ اللهُ أَكْبَرُ، وَتَحْمَدُ اللهَ، وَتُثْنِي عَلَيْهِ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَدْعُو اللهَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ.» رواه الطبراني في المعجم الكبير، وصححه الألباني في الإرواء.. ومن فاتته التكبيرات بأن حضر والإمام قد شرع بالفاتحة فلا يقضيها، ومن فاتته ركعة فإنه يأتي بالتكبيرات إذا أراد قضاء الركعة الفائتة، ومن أتى والإمام بالتشهد يقضي الصلاة كما هي بتكبيراتها.. بلغنا الله يوم العيد من عمرٍ مديدٍ بطاعة الله، ومنَّ علينا بالقبول إنه جواد كريم.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ ربِ العالمين وأشهدُ ألا إلهَ الا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له إله الأولين والآخرين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد أيها الإخوة: تقوى الله خيرُ زاد، يقول ربنا: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة:197].. والشكرُ سبب للقبولِ ونَيْلِ عظيمِ الأجر.. واعلموا أنَّ من أعظم ما يودع به الصائم شهره ويختم به صيامه، هو الإكثار من الاستغفار، فمن هديه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- ختمُ الأعمال الصالحة بالاستغفار، وكذلك كان سلفنا الصالح يكثرون من الاستغفار والتوبة تعويضا عن أي تقصير قد حدث منهم بعد انتهائهم من الطاعات.. قال الحسن البصري -رحمه الله-: "لا تملُّوا من الاستغفارِ، واكثِرُوا مِنه في بُيُوتِكم، وعَلَى موائِدِكم، وفي طُرُقِكم، وفي أسواقِكُم، فإنَّكم ما تدرُون متى تَنْزِلُ المغفرةُ"

أحبتي: ليالٍ معدودة ونودعُ شهرنا حقٌ علينا أن نغالب أنفسنا في استثمِار بقيته، ونَحرِصَ على إتمام العِدة فالأعمال بالخواتيم.. ومن نعم الله علينا في هذا الشهر المبارك أن عُمرت المساجدُ فيه بالتراويح، وتعطرت لياليه بتلاوة القرآن والذكر والدعاء، ورفعت فيه أكف الضراعة إلى الله بالدعاء والثناء، وأمَ المسلمين فيها شبابٌ من أبنائهم تحملوا المسؤولية وآثروا نفع الناس، واحتسبوا الأجر بالإمامة، واطرحوا الكسل، فما أعظمه من عمل، وما أجمله من بذل للخير غفل عنه بعضُ القادرين أو تكالفوه فحُرموا فضلَه، نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يُجزل لهؤلاء الأجر والمثوبة وينفع بهم إنه جواد كريم.. وبعد معاشر الإخوة: من كان منا أحسن فيما مضى فعليه بالتمام، ومن فرط فليختم بالحسنى فالعمل بالختام..

يا غافلاً وليالي الصومِ قد ذَهبتْ.... زَادتْ خَطايَاك قِفْ بالبابِ وابْكِيها

وتبْ لعلَك تحْــــــــــــــــــظَى بالقبولِ عـــــــــــــسـى أنْ تبلغَ النفسُ بالتقوى أمانِيها

وقلْ إلهي أنا العبدُ الذليلُ وقد .... أتيتُ أرجو أجوراً فـــــــــازَ راجيهـــــــــــــــا

فلا تَكِلني إلى نفسي ولا عملـي .....  واغـــفرْ ذنوبي فــــإني غـــــارقٌ فيها

وصلوا على نبيكم أزكى صلاة وسلام..

المشاهدات 931 | التعليقات 0