عقبات في الطريق إلى اللَّه

د.عبدالحميد المحيمد
1447/10/16 - 2026/04/04 06:21AM

 

إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله  اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .

عباد اللّه ، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)

أيها الأحبة في اللَّه، هناك قاعدةٌ مشهورةٌ، وهي قاعدةٌ عسكريةٌ تُستخدم في الخطط، هذه القاعدة تقول إنَّ الكمائن لا توضع في طريقٍ ميته، ولكنها توضع في طريقٍ حيّةٍ ذات حيويةٍ وأهميةٍ، ومعنى هذه القاعدة أنَّ هناك عدوًّا عظيمًا يتربص بنا، وهو الشيطان. هذا الشيطان يتَّبع هذا الكيد؛ فهو يُقبِل عليك في الطرق التي تؤدّي إلى الجنّة، في الطريق إلى اللَّه، فيأتيك في أوقات الطاعات.

أما شعر أحدكم؟ إذا أراد القيام إلى الطاعة، جاءه التثاؤب والكسل، أو طرأ على ذهنه التفكير في استخدام الجوال أو النوم، أو يسمع المؤذن ويريد الذهاب إلى المسجد، فتبدأ الملهيات وتبدأ الاتصالات. وإذا وصل المسجد، يبدأ الهاتف في الرنين، فيبدأ الشيطان بصرفه، لأنه يعرف أنه الآن في الطريق الصحيح، هو الآن في طريق ينبض بالحياة، وفي طريق يؤدي به إلى اللَّه. ثم، ماذا كان يقول الشيطان عندما يئس من رحمة اللَّه وعندما كفر؟

قال: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) 

[الأعراف: 16 ]

الشيطان ليس فقط يأتيك عند المعاصي، ولكنه يأتيك في طريق الطاعة أيضًا، حتى يقطع عليك هذا الطريق. والذي يتأمل في القرآن وفي السنة، وفي واقع الأمر يجد أن الشيطان يركز على الإنسان عند الصلاة باعتبارها من أهم العبادات بعد شهادة التوحيد، فيحاول أن يشغلك ويتسلط عليك، بل إنه يذكرك بأمور لم تخطر على بالك، يذكرك بها في الصلاة من أجل أن يصدّك عن هدفك الأساسي.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(إنَّ الشَّيطانَ قعدَ لابنِ آدمَ بأطرُقِهِ ، فقعدَ لَهُ بطريقِ الإسلامِ ، فقالَ : تُسلمُ وتذرُ دينَكَ ودينَ آبائِكَ وآباءِ أبيكَ ، فعَصاهُ فأسلمَ ، ثمَّ قعدَ لَهُ بطريقِ الهجرةِ ، فقالَ : تُهاجرُ وتدَعُ أرضَكَ وسماءَكَ ، وإنَّما مثلُ المُهاجرِ كمَثلِ الفرسِ في الطِّولِ ، فعَصاهُ فَهاجرَ ، ثمَّ قعدَ لَهُ بطريقِ الجِهادِ ، فقالَ : تُجاهدُ فَهوَ جَهْدُ النَّفسِ والمالِ ،

فتُقاتلُ فتُقتَلُ ، فتُنكَحُ المرأةُ ، ويُقسَمُ المالُ ، فعصاهُ فجاهدَ ، فقالَ رسولُ اللَّهِ : فمَن فعلَ ذلِكَ كانَ حقًّا على اللَّهِ عزَّ وجلَّ أن يُدْخِلَهُ الجنَّةَ ، ومن قُتِلَ كانَ حقًّا على اللَّهِ عزَّ وجلَّ أن يُدْخِلَهُ الجنَّةَ ، وإن غرِقَ كانَ حقًّا على اللَّهِ أن يُدْخِلَهُ الجنَّةَ ، أو وقصتهُ دابَّتُهُ كانَ حقًّا على اللَّهِ أن يُدْخِلَهُ الجنَّةَ).

[صحيح- النسائي]

النبي عليه الصلاة والسلام كان يُبين أن هناك سبيلًا واحدًا إلى اللَّه. وكان يأتي بالتصوير الحقيقي كما جاء في الحديث:

(خطَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خطًّا بيدِه ثم قال : هذا سبيلُ اللهِ مستقيمًا، وخطَّ خطوطًا عن يمينِه وشمالِه، ثم قال : هذه السبلُ ليس منها سبيلٌ إلا عليه شيطانٌ يدعو إليه، ثم قرأ : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ).

فالشيطان يأتي لِيُشْتِتك؛ عن يمينك وعن شمالك، يغريك بما في اليمين، ويغريك بما في الشمال، فيأتي للإنسان عند الصلاة، ويأتيه ليشككه في إيمانه، ويأتيه عند قراءة القرآن. بعض الناس اليوم لا يستطيع أن يصمد، فلا يقرأ أكثر من صفحةٍ أو صفحتين، ثم يأتيه النوم، ويتعلّق بالجوال، ويُصاب بالجوع سريعًا.

وذلك لأن الشيطان قد بدأ يهاجمك ويُلبِّس عليك؛ ولكن إن صمدت وثبتَّ، فاعلم أن في نهاية الطريق هناك الجنة، وهناك رضوان اللَّه عز وجل، وهناك دُربةٌ ومرونة تتربّى عليها النفس.وتلاحظون ذلك في رمضان؛ كان الأمر يسيرًا، وكان الواحد يصلي إحدى عشرة ركعة بسهولة، ولكن بعد رمضان تجده مرةً ناسيًا الوتر، ومرةً ناسيًا صلاة العشاء، ومرةً يتكاسل عنها؛ لأن الشيطان قد زاد من قوته، وزاد من وسوسته بعد رمضان.

فإذن، الحذر الحذر؛ ليحذر المسلم من كل ما يشتته عن هدفه الأساسي، ويصون نفسه من وساوس الشيطان. نسأل اللَّه أن يعافينا وإياكم والمسلمين. أقول ما تسمعون، وأستغفر اللَّه .

 

الخطبة الثانية

 

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أيها الأحبة في اللَّه: من الوساوس والوسائل التي يستخدمها الشيطان ويدخل بها عقول الناس، التقنيط والتيئيس من رحمة اللَّه، والاستعجال، وعدم الصبر. بعض الناس اليوم يصاب بالوسوسة، ويصاب بالانهزام الداخلي. أصعب هزيمة ينهزمها الإنسان اليوم هي الهزيمة الداخلية.

وتلاحظون اليوم بعض الضوضاء وبعض الإزعاج الذي يأتي من أولئك الظالمين؛ يأتيك في وقت راحتك، ويأتيك في وقت نومك، ويأتيك في وقت صلاتك، وفي وقت عبادتك. لماذا؟ هذه حرب نفسية ليقنطك الشيطان، ليزرع فيك الخوف. ولذلك، لا تيأس من رحمة اللَّه، ولا تقل: متى نصر اللَّه؟ وهذه حقيقة ذكرها القرآن الكريم:

(وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ  أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).[البقرة: 214]

دائمًا حضر الأجوبة التي تزيد من حالتك الإيمانية وتزيد من الجانب الإيجابي:

(أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) 

ليس هناك أصدق من هذا القول، وهذا الوعد من اللَّه عز وجل. فما نمر به في هذا البلد وبلاد المسلمين هو سحابة عابرة بإذن اللَّه، وهي غيمة سوف تنقضي، ويأتي بعدها الخير. ولكن الصبر والثبات والاستعانة باللَّه، والإكثار من الدعاء، والتقرب إلى اللَّه بالطاعات، والإكثار من التسبيح:

(فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات: 143-144]

فنستعين باللَّه عز وجل وندعوه، فإن أبوابه مفتوحة، والنصر ينزل مع الصبر.

اللَّهم انصرنا يا رحمن يا رحيم، اللَّهم فرج الكرب والبلاء، اللَّهم رد كيد الأعداء، اللَّهم اجعل تدبيرهم تدميرهم.

اللهمَّ إنَّا نجعلُكَ في نحورهم ، ونعوذُ بكَ من شرورهم، اللَّهم احفظ الكويت وبلاد المسلمين، اللَّهم احفظها آمنة مطمئنة برحمتك يا رحمن يا رحيم.

وآخر دعوانا أن الحمدُ للَّه ربّ العالمين، وصلى اللَّه على نبينا محمد.

 

 

المرفقات

1775272884_عقبات في الطريق إلى اللَّه.pdf

المشاهدات 388 | التعليقات 0