فرحك وسعادتك بيدك
أحمد بن عبدالله الحزيمي
فرحك وسعادتك بيدك
حَمْدًا لِلَّهِ عَلَى نِعْمَائِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى فَضْلِهِ وَآلَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي عَبَدَ رَبَّهُ فِي سَرَّائِهِ وَضَرَّائِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَتْبَاعِهِ، أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي الْمُقَصِّرَةَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ الْعَلِيَّ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَرَاقِبُوهُ مُرَاقَبَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاهُ، وَتَزَوَّدُوا مِنْ دُنْيَاكُمْ لِآخِرَتِكُمْ عَمَلًا يَرْضَاهُ،
﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ (البقرة: 48).
أيها المؤمنون:
يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَعِيشُ فِي ظُرُوفٍ شَدِيدَةِ الْقَسْوَةِ؛ فَقْرٌ، وَمَرَضٌ، وَضِيقُ ذَاتِ الْيَدِ. زَارَهُ صَدِيقٌ لَهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا عَلَى حَصِيرٍ، ضَاحِكًا وَفَرِحًا، وَهُوَ يُرَدِّدُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ، عَلَى نِعْمَةِ اللَّهِ".
فَاسْتَغْرَبَ الصَّدِيقُ وَقَالَ لَهُ: يَا أَخِي! أَيَّ نِعْمَةٍ هَذِهِ وَأَنْتَ فِي هَذِهِ الْحَالِ؟ لَا تَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا، وَالْمَرَضُ قَدْ أَوْهَنَ جَسَدَكَ!
فَرَدَّ عَلَيْهِ قَائِلًا: بَلْ هِيَ أَعْظَمُ النِّعَمِ يَا صَدِيقِي! لَقَدْ رَزَقَنِيَ اللَّهُ لِسَانًا يَذْكُرُهُ، وَعَقْلًا يَعْرِفُهُ، وَقَلْبًا مُوَحِّدًا، وَصَبْرًا عَلَى الْبَلَاءِ. إِنَّ عِنْدِي كُنُوزَ الْإِيمَانِ، أَفَتُرِيدُنِي أَنْ أَحْزَنَ عَلَى ذَهَابِ كُنُوزِ الدُّنْيَا؟!
"أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، إِنَّ طَبِيعَةَ الْحَيَاةِ الَّتِي خَلَقَنَا اللَّهُ فِيهَا هِيَ طَبِيعَةُ ابْتِلَاءٍ وَاخْتِبَارٍ. نَحْنُ نَعِيشُ فِي دَارِ كَدْحٍ وَعَمَلٍ، وَدَارٍ مُعَرَّضَةٍ لِلْمَشَاكِلِ وَالضُّغُوطِ وَالْهُمُومُ، وَالتَّحَدِّيَاتُ لَا تَنْفَكُّ تُلَاحِقُ الْإِنْسَانَ مِنْ حِينٍ لِآخَرَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ).
وَمِنْ نِعَمِ اللَّهِ الْعَظِيمَةِ عَلَيْنَا أَنْ جَعَلَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ مُتَّسَعًا لِلْفَرَحِ وَالْبَهْجَةِ، وَالسَّعَادَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَجَعَلَ الْفَرَحَ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ مُجَرَّدَ شُعُورٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا.
كُلُّنَا عِبَادُ اللَّهِ نَنْشُدُ السَّعَادَةَ، كُلُّنَا ذَاكَ الرَّجُلُ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ فَرِحًا مُسْتَبْشِرًا دَائِمًا. يَا تُرَى هَلْ يُمْكِنُ ذَلِكَ؟
فِي هَذِهِ الْعُجَالَةِ سَنَذْكُرُ شَيْئًا مِمَّا يُعِينُ عَلَى جَلْبِ الْفَرَحِ وَالِانْبِسَاطِ وَالسُّرُورِ عَلَى النَّفْسِ، وَلَنْ يَكُونَ مِنْ أَهَمِّهَا، أَنْ يَكُونَ لَدَيْكَ مِلْيُونٌ أَوْ عَشَرَاتُ الْمَلَايِينَ فِي الْبَنْكِ، وَلَنْ يَكُونَ مِنْ ضِمْنِهَا أَنْ تَكُونَ مَسْؤُولًا كَبِيرًا أَوْ عَالِمًا شَرْعِيًّا أَوْ أُسْتَاذًا جَامِعِيًّا مَرْمُوقًا. لَا، لَنْ يَكُونَ مِنْ أَسْبَابِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ مَا سَأَذْكُرُهُ أَمْرُهُ إِلَيْكَ بَعْدَ تَوْفِيقِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، أَمْرُهُ مُتَاحٌ لِكُلِّ أَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْفُضَلَاءُ:
إِنْ لَمْ نُعَوِّدْ أَنْفُسَنَا عَلَى اسْتِجْلَابِ الْفَرَحِ مَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ، فَإِنَّنَا سَنَظَلُّ أَسْرَى لِلْحُزْنِ وَالْهَمِّ وَانْتِظَارِ زَوَالِ الْمَشَاكِلِ، وَالْمَشَاكِلُ رُبَّمَا لَا تَزُولُ، بَلْ تَتَغَيَّرُ وَتَتَجَدَّدُ.
الْفَرَحُ أَيُّهَا الْكِرَامُ، هُوَ عَادَةٌ يَجِبُ أَنْ نُعَوِّدَ النَّفْسَ عَلَيْهَا، هُوَ طَاقَةٌ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَجْذِبَهَا إِلَى حَيَاتِنَا، مَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ قَاسِيَةً وَالْأَحْوَالُ صَعْبَةً.
إِذَا عَوَّدْتَ نَفْسَكَ عَلَى التَّذَمُّرِ وَالتَّشَاؤُمِ، فَإِنَّ الْهَمَّ سَيَعْتَادُكَ، وَيُصْبِحُ ضَيْفًا ثَقِيلًا دَائِمًا. أَمَّا إِذَا عَوَّدْتَهَا عَلَى الرِّضَا وَالشُّكْرِ وَالتَّفَاؤُلِ، فَإِنَّ الْفَرَحَ سَيَنْجَذِبُ إِلَيْكَ، يَأْتِيكَ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ، لِأَنَّهُ يَجِدُ فِي قَلْبِكَ مَكَانًا مُعَدًّا لَهُ.
إِذَا مَا الْخُطُوَاتُ الْعَمَلِيَّةُ لِتَعْوِيدِ النَّفْسِ عَلَى الْفَرَحِ، وَتَطْبِيقِ هَذَا الْمَفْهُومِ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ؟
"أَوَّلًا: الرِّضَا التَّامُّ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَالْرِّضَا يُوقِفُ دَوَّامَةَ الْقَلَقِ، وَيَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْبَلَاءِ بِعَيْنِ الْحِكْمَةِ وَالِاحْتِسَابِ. النَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنَا هَذَا الْمَبْدَأَ الْعَظِيمَ فقال: "إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ." (رَوَاهُ التِّرْمِذِي).
إِنَّ الرَّاضِيَ يَرَى أَنَّ الضُّغُوطَ وَالْمَشَاكِلَ وَالِابْتِلَاءَاتِ هِيَ مَحَطَّاتُ تَطْهِيرٍ وَرَفْعِ دَرَجَاتٍ، لَا مَحَطَّاتُ إِحْبَاطٍ وَسُقُوطٍ، وَيُسَلِّمُ أَمْرَهُ لِلْمُدَبِّرِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
اجْلِسُوا أيها الاخوة مَعَ مَنْ يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى قُلُوبِكُمْ. الزَمُوا صُحْبَةَ الْمُتَفَائِلِينَ وَالرَّاضِينَ، وَاسْتَغِلُّوا أَيَّ فُرْصَةٍ تَسْنَحُ لَكُمْ لِلْفَرَحِ وَالسَّعَادَةِ كَالزِّيَارَاتِ وَالرِّحْلَاتِ، وَلَا تُؤَجِّلُوهَا.
وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، ابْتَعِدُوا عَنِ الْأَشْخَاصِ السَّلْبِيِّينَ الَّذِينَ يُشِيعُونَ الْيَأْسَ وَالْإِحْبَاطَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَلِقَاءَاتِهِمْ.
وَمِنْ أَفْضَلِ طُرُقِ جَلْبِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ: الِانْشِغَالُ بِخِدْمَةِ الْآخَرِينَ، عِنْدَمَا تَسْعَى فِي قَضَاءِ حَاجَةِ أَخِيكَ، تَشْعُرُ بِقِيمَةِ وُجُودِكَ وَعَطَائِكَ، وَهَذَا الشُّعُورُ مُوَلِّدٌ قَوِيٌّ لِلْفَرَح، قَالَ ﷺ: "أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ".
لِأَنَّ فِي الْعَطَاءِ لَذَّةً لَيْسَتْ فِي الْأَخْذِ، وَيَكْفِي أَنَّ الْمُعْطِيَ يَجِدُ مَلَكًا يَدْعُو لَهُ وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا"، وَالْعَطَاءُ لَا يَكُونُ بِالْمَالِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ يَشْمَلُ كُلَّ الْخَيْرَاتِ مِثْلَ مُسَاعَدَةِ النَّاسِ وَالِابْتِسَامَةِ فِي وُجُوهِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ وَدَعْمِهِمْ وَتَشْجِيعِهِمْ.
وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ أَوَّلُ الْمُسْتَفِيدِينَ مِنَ الْعَطَاءِ، لِأَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَيْكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ)، الْآيَةُ تَشْمَلُ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَيْسَ الْمَالَ فَقَطْ.
وَمِنَ الْأَسْبَابِ: سِلَاحُ الدُّعَاءِ: عَوِّدْ نَفْسَكَ عَلَى الدُّعَاءِ بِيَقِينٍ بِأَنْ يَرْزُقَكَ السَّعَادَةَ وَالْفَرَحَ، فَالدُّعَاءُ لَيْسَ مُجَرَّدَ طَلَبٍ، بَلْ هُوَ إِقْرَارٌ بِأَنَّ لَكَ رَبًّا قَادِرًا عَلَى قَلْبِ الْمَوَازِينِ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ. هَذَا الْيَقِينُ يُمْنِحُ الْقَلْبَ دَرَجَةً مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالْفَرَحِ لَا تَسْتَطِيعُ الْمَشَاكِلُ أَنْ تَهُزَّهَا.
هَلْ تَعْلَمُونَ أَيُّهَا الْكِرَامُ أَنَّ أَكْثَرَ دَعْوَةٍ دَعَا بِهَا النَّبِيُّ هِيَ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ السَّعَادَةَ وَالْفَرَحَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ جَاءَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".
وَالْحَسَنَةُ الَّتِي فِي الدُّنْيَا؟ بِاخْتِصَارٍ هِيَ: السَّعَادَةُ، كَمَا تَنَوَّعَتْ عِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَرْكَبُ الْهَنِيء، وذَكَرُوا أَنْوَاعًا يَجْمَعُهَا كُلَّهَا السَّعَادَةُ.
فَالحَسَنَةُ الَّتِي فِي الدُّنْيَا هِيَ: أَنْ تَعِيشَ سَعِيدًا، وَأَمَّا الحَسَنَةُ الَّتِي فِي الآخِرَةِ: فَهِيَ الجَنَّةُ، وَهَلْ هُنَاكَ أَعْظَمُ مِنَ الجَنَّةِ؟
وَمِنْ أَسْبَابِ جَلْبِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ: تَعْوِيدُ النَّفْسِ عَلَى الْبِشْرِ وَالِابْتِسَامَةِ، وَاللِّسَانِ عَلَى الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالْعَيْنِ عَلَى رُؤْيَةِ الْجَمَالِ، وَلَوْ تَكَلُّفًا فِي بَدَايَةِ الْأَمْرِ؛ جَاهِدْ نَفْسَكَ عَلَى ذَلِكَ وَسَتَجِدُ صُعُوبَةً، وَلَكِنَّ الْخَيْرَ كل الخير يأتي بَعْدَ ذَلِكَ.
وَمِمَّا يَسْتَجْلِبُ الْفَرَحَ وَالْبَهْجَةَ: الْعِبَادَةُ بِقَلْبٍ حَاضِرٍ، وَالْفَرَحُ بِالْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ، وَإِتْقَانُ الصَّلَاةِ، وَتَدَبُّرُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَاسْتِشْعَارُ حَلَاوَةِ ذِكْرِ اللَّهِ. هِيَ غِذَاءُ الرُّوحِ وَمَصْدَرُ الطُّمَأْنِينَةِ. حِينَ تَسْتَشْعِرُ حَلَاوَةَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ، يَغْدُو قَلْبُكَ مَسْكَنًا لِلْفَرَحِ لَا يُزْعِجُهُ شَيْءٌ.
عَوِّدْ نَفْسَكَ عَلَى الظَّنِّ الْجَمِيلِ بِاللَّهِ؛ هَذَا الْيَقِينُ بِأَنَّ الْفَرَجَ آتٍ، وَأَنَّ بَعْدَ الْعُسْرِ يُسْرًا، هذا الأمر يَمْنحُ الْقَلْبَ رَاحَةً لَا تَتَأَثَّرُ بِالضُّغُوطِ. فَإِذَا أَيْقَنَ الْقَلْبُ، اسْتَبْشَرَتِ الرُّوحُ وَتَهَيَّأَتْ لِلْفَرَحِ.
وَمِمَّا يَجْلِبُ لَكَ الْفَرَحَ أَنْ تُرَاقِبَ حَدِيثَكَ مَعَ نَفْسِكَ، هَلْ أَنْتَ دَائِمُ التَّذَمُّرِ؟ كَثِيرُ لَوْمِ الذَّاتِ؟ كَثِيرُ التَّشَكِّي؟ كثير العتاب؟ إِذًا من فضلك أَوْقِفْ ذَلِكَ، وَغَيِّرْه إِلَى الشُّكْرِ وَكَثْرَةِ الْحَمْدِ، وَالِامْتِنَانِ، وَالتَّفَاؤُلِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى.
لَقَدْ أَثْبَتَتِ الْأَبْحَاثُ فِي عِلْمِ النَّفْسِ أَنَّ مُمارَسَةَ الشُّكْرِ وَالِامْتِنَانِ بِانْتِظَامٍ تُغَيِّرُ كِيمْيَاءَ الدِّمَاغِ، وَتَزِيدُ مِنْ إِفْرَازِ مَوَادَّ مَسْؤُولَةٍ عَنِ السَّعَادَةِ وَالْبَهْجَةِ، كَمَا أَظْهَرَتِ الدِّرَاسَاتُ أَنَّ الْأَشْخَاصَ الَّذِينَ يُمَارِسُونَ التَّفَاؤُلَ وَالْعَطَاءَ بِانْتِظَامٍ، هُمْ أَقَلُّ عُرْضَةً لِلْأَمْرَاضِ الْقَلْبِيَّةِ وَالتَّوَتُّرِ الْمُزْمِنِ وَالْقَلَقِ، وَأَجْهِزَتُهُمْ الْمَنَاعِيَّةُ أَقْوَى.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، نَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ رَاحَةَ الْبَالِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لَنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
أَقُولُ قَوْلي هذا...
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي ذِكْرِهِ أُنْسًا، وَفِي طَاعَتِهِ فَرَحًا، وَكَتَبَ لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ السَّعَادَةَ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّم. أما بعد:
فمِنْ أَهَمِّ مَا تُسْتَدْرَجُ بِهِ السَّعَادَةُ وَالْفَرَحُ: تِعْدَادُ النِّعَمِ الَّتِي تَمْتَلِكُهَا، وَرُبَّمَا حُرِمَ مِنْهَا غَيْرُكَ؛ مِثْلُ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ، نِعْمَةِ الصَّلَاةِ، وَكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ، وَالْوَالِدَيْنِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالْوَلَدِ، وَالْأَصْدِقَاءِ، ونِعْمَة الصحة والْأَمْن وَالْأَمَان فِي الْأَوْطَانِ، وَالْعَقْلِ، وَالْبَصَرِ، وَالْمَشْيِ، وَهَكَذَا، وَحِينَ تَبْدَأُ بِتَعدادها فلَنْ تَنْتَهِيَ؛ لِأَنَّ التَّوْجِيهَ الرَّبَّانِيَّ وَاضِحٌ وَبَيِّنٌ، حَيْثُ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: )وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا).
وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ فَرِحًا سَعِيدًا، فَحَاوِلْ أَنْ تَعْفُوَ وَتَصْفَحَ عَنِ الْآخَرِينَ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ عَظِيمٌ وَصَعْبٌ، لِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وَلِأَنَّ عَدَمَ الْعَفْوِ يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَعِيشُ فِي سِجْنِ الضَّغِينَةِ وَالْأَحْقَادِ، وَلَا يَشْعُرُ بِالسَّعَادَةِ إِلَّا إِذَا حَرَّرَ نَفْسَهُ مِنْ هَذَا السِّجْنِ.
وَقَدِيمًا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ:
لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ *** أَرَحْتُ نَفْسِي مِنْ هَمِّ الْعَدَاوَاتِ
وَزِدْ عَلَى الْعَفْوِ أَنْ تَتَمَنَّى بِصِدْقٍ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ كُلَّ خَيْرٍ وَمَحَبَّةٍ وَسَلَامٍ.
وَمِمَّا يَجْلِبُ الْفَرَحَ وَالسَّعَادَةَ: تَحْقِيقُ بَعْضِ الْإِنْجَازَاتِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً؛ لِأَنَّهَا سَتُشْعِرُكَ بِالسَّعَادَةِ، وَتَرْفَعُ مِنْ مَعْنَوِيَّاتِكَ، وَتَجْعَلُكَ تَعِيشُ فِي حُبُورٍ وَسُرُورٍ.
وإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعِيشَ سَعِيدًا، فَعَلَيْكَ بِاسْتِثْمَارِ اللَّحْظَةِ الْحَالِيَّةِ؛ لِأَنَّ جَلْبَ الْمَاضِي وَذِكْرَيَاتِهِ – فِي الْغَالِبِ – إِمَّا أَنْ يُصِيبَنَا بِالْأَلَمِ، أَوْ يُصِيبَنَا بِالْحَنِينِ وَالْوَجَعِ، إِنَّ الْمَاضِيَ قَدْ ذَهَبَ وَتَوَلَّى، وَلَا نَمْلِكُ إِعَادَتَهُ، بَلْ نَمْلِكُ الِاسْتِفَادَةَ مِنْهُ فقط، وَأَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ يُرَكِّزُ عَلَى حَاضِرِهِ لِيَبْنِيَ مُسْتَقْبَلَهُ.
وَبَعْدُ أَيُّهَا الْكِرَامُ، كَمَا قُلْنَا فِي أَوَّلِ الْخُطْبَةِ: الْعَوَامِلُ الْخَارِجِيَّةُ كَالْمَالِ، وَالنَّجَاحِ الْوَظِيفِيِّ، وَقُوَّةِ الْعَلَاقَاتِ لَيْسَتْ مِفْتَاحَ السَّعَادَةِ، بَلْ تَجْلِبُ سَعَادَةً مُؤَقَّتَةً. وَأَنَّ السَّعَادَةَ تَكْمُنُ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِهَا، وَهِيَ – كَمَا سَمِعْتُمْ – أُمُورٌ مُتَاحَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، إِذًا أَنْتَ مَسْؤُولٌ عَنْ فَرَحِكَ وَسَعَادَتِكَ، وَأَمْرُهُ – بَعْدَ اللَّهِ – فِي يَدِكَ، فَلَا تُضَيِّعْهُ.
نعم أخي الكريم الْأَمْرُ مَتْرُوكٌ لَكَ لِتَتَحَكَّمَ فِي حَيَاتِكَ وَتَخْلُقَ حَيَاةً مُرْضِيَةً وَمُبْهِجَةً بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ سَعَادَةً لَا تَنْقَطِعُ، وَطُمَأْنِينَةً لَا تَزُولُ، وَصَبْرًا جَمِيلًا، وَيَقِينًا صَادِقًا.
ثمَّ صلوا وسلموا على خيرِ البشريةِ أجمعينَ، وقائدِ الغرِّ المحجلينَ، كما أمركمْ بذلكَ ربُّ العالمينَ، فقالَ{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]
المرفقات
1767247291_الفرح والسعادة بيدك.docx