فقه السيرة(44)غزوة الحديبية(أ)

الشيخ تركي بن علي الميمان
1447/10/21 - 2026/04/09 07:59AM

عنوان الخطبة : فقه السيرة(44)غزوة الحديبية(أ)

الخطبة الأولى:                                                                                                                                  

الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره، وعلم مورد كل مخلوق ومصدره، فلا مؤخر لما قدمه، ولا مقدم لما أخره، أحمده سبحانه وأشكره، وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.                                                   

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]                              عباد الله: في السيرة النبوية، في عزوة الحديبية، أو عمرة وصلح الحديبية. لما تقدم التطور في الجزيرة العربية إلى حد كبير لصالح المسلمين، أخذت طلائع الفتح الأعظم ونجاح الدعوة الإسلامية تبدو شيئاً فشيئاً، وبدأت التمهيدات لإقرار حق المسلمين في أداء عبادتهم في المسجد الحرام، الذي كان قد صَدَّ عنه المشركون منذ ستة أعوام. [الرحيق المختوم (ص:346)]

وكان سبب الخروج في غزوة الحديبية هو رؤيا رآها النبي صَلى الله عليه 

وسلم أنه دخل البيت هو وأصحابه وطافوا وحلَّق بعضهم وقصَّر البعض، وأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا.[فقه السيرة: للزيد(ص:522)]

وخرج الرسول صَلى الله عليه وسلم في مستهلِّ ذي القعدة سنة ستٍّ من الهجرة النبوية. [فقه السيرة: للزيد(ص:522)]

وكان الرسول صَلى الله عليه وسلم يخشى أن تَعْرِضَ له قريش بحرب أو يصدُّوه عن البيت الحرام، لذلك استنفر العرب المسلمين ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، فأبطؤوا عليه، فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار، وبمن لحق به من العرب. [السيرة النبوية: مهدي(ص:465)]

والمسلمون كانوا يحملون أسلحتهم استعداداً للدفاع عن أنفسهم في حالة الاعتداء عليهم.

ولما وصل الرسول صَلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى ذي الحليفة، أحرم بالعمرة، وساق معه الهدي؛ ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائراً لهذا البيت معظِّماً له. [فقه السيرة: للزيد(ص:523)] - [السيرة النبوية: مهدي(ص:466)]

وبعث الرسول صَلى الله عليه وسلم بين يديه عيناً له من خزاعة يخبره 

عن قريش. حتى إذا كان بعُسْفان لقيه عينه، فقال: يا رسول الله، هذه  قريش قد سمعت بسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل-أي: خرجوا ومعهم النساء والأولاد لئلا يفرُّوا عنهم-؛ وقد نزلوا بذي طُوى يعاهدون الله ألَّا تدخلها عليهم أبداً؛ وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قدموا كراع الغَميم. [فقه السيرة: للزيد(ص:523)] - [السيرة النبوية: مهدي(ص:467)]

فاستشار النبي صَلى الله عليه وسلم أصحابه في أن يُغِيروا على ديار الذين ناصروا قريشاً واجتمعوا معها، ليَدَعوا قريشاً ويعودوا للدفاع عن ديارهم؛ فقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَرَجْتَ عَامِدًا لِهَذَا البَيْتِ، لاَ تُرِيدُ قَتْلَ أَحَدٍ، وَلاَ حَرْبَ أَحَدٍ، فَتَوَجَّهْ لَهُ، فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ. فقَالَ رسول الله صَلى الله عليه وسلم: «امْضُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[البخاري(4178)]-[السيرة النبوية: مهدي(ص:467)]

وعندما علم الرسول صَلى الله عليه وسلم بقرب خيل المشركين منهم، صلى بأصحابه صلاة الخوف بعُسْفان. [السيرة النبوية: مهدي(ص:467)]

ولتفادي الاشتباك مع المشركين، سلك الرسول صَلى الله عليه وسلم طريقاً وَعِرَةً عبر ثَنيّة المرار، وهي مهبط الحديبية. [السيرة النبوية: مهدي(ص:467)]

فلما رأت خيل قريش قترة وغبار الجيش قد خالفوا عن طريقهم، رجعوا  

راكضين إلى قريش. [فقه السيرة: للزيد(ص:524)]

وعندما اقترب الرسول صَلى الله عليه وسلم من الحديبية بركت ناقته القصواء، فقال الصحابة رَضي الله عنهم: خَلَأَتْ القَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا خَلَأَتْ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ»، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا»، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ، ثم عَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ-بئر- قَلِيلِ المَاءِ، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ.[البخاري(2731)]- [السيرة النبوية: مهدي(ص:468)]

وبذل الرسول صَلى الله عليه وسلم ما في وسعه لإفهام قريش أنه لا يريد حرباً معهم، وإنما يريد زيارة البيت. [السيرة النبوية: مهدي(ص:468)]

فبعث النبي صَلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان إلى مكة، فنزل عثمان في جوار أبان بن سعيد بن العاص الأموي، حتى أدى رسالته، فأذنوا له بالطواف بالبيت، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صَلى الله عليه وسلم؛ واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صَلى الله عليه وسلم أنَّ عثمان قد قُتل. [السيرة النبوية: مهدي(ص:469-470)]

فدعا رسول الله صَلى الله عليه وسلم أصحابه للبيعة تحت شجر سمرة، فبايعوه جميعاً على الموت سوى رجل واحد؛ قيل أنه من المنافقين.

فأثنى عليهم الرسول صَلى الله عليه وسلم فقال: «أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ» [رواه البخاري(4154)]، وقال: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا»[رواه مسلم(2496)]. وكان عددهم ألفاً وأربع مئة رجل.

وأشار الرسول صَلى الله عليه وسلم إلى يَدِهِ اليُمْنَى، وقال: «هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ». فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ اليسرى، فَقَالَ: «هَذِهِ لِعُثْمَانَ»[البخاري (3698)]، فنالَ عثمانُ بذلك فضل البيعة.

وقبل أن تتطور الأمور عاد عثمان رَضي الله عنه بعد البيعة مباشرة؛ وعُرفت هذه البيعة ببيعة الرضوان، لأن الله تعالى أخبر بأنه رضي عن أصحابها في قوله:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}[الفتح:18] [السيرة النبوية: مهدي(ص:469-470)]

ثم أرسلت قريش عدداً من السفراء للتفاوض مع المسلمين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا}[الفتح:27] بارك الله لي ولكم في القرآن...                      

الخطبة الثانية:                                                    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.                                             أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[المائدة:35]

عباد الله: غزوة الحديبية مليئة بالحِكَمِ والفوائد؛ منها:(1)من بَعْثِ النبي صَلى الله عليه وسلم عيناً له من خزاعة، نأخذ منه: جواز الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد عند الحاجة؛ لأن عينه الخزاعي كان كافراً إذ ذاك؛ وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو، وأخذه أخباره.

(2) ومن قول الرسول صَلى الله عليه وسلم: «مَا خَلَأَتْ القَصْوَاءُ، وَمَا  ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ»، نأخذ منه: ردُّ الكلام الباطل ولو نُسب إلى غير مكلف.   فإذا كان الرسول صَلى الله عليه وسلم دفع عن عرض غير مكلف، فمن باب أولى الدفع عن عرض المكلف المصون، بأن لا نقول غيبة لأحد أو نسمعها في أحد، وندفع الغيبة ونرد على المغتاب.

(3)وفي صلاة الرسول صَلى الله عليه وسلم صلاة الخوف دلالة على أهمية الصلاة، وأهمية الصلاة جماعة، حيث حافظ الرسول صَلى الله عليه وسلم على الجماعة حتى في ظروف الحرب والخوف من الأعداء، ولم يأذن الرسول صَلى الله عليه وسلم للمسلمين أن يصلوا فرادى في أمكنتهم؛ فـ«مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا؟ كَانَتْ لَهُ نُورًا، وَبُرْهَانًا، وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ، وَلَا بُرْهَانٌ، وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ، وَفِرْعَوْنَ، وَهَامَانَ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ»[مسند أحمد(6576)المحقق: إسناده حسن]

(4) في المواقف الحرجة-عباد الله-: يجتهد الأعداء في إلقاء الإشاعة والإرجاف بالمؤمنين، وهنا أُشيع أنَّ عثمان رَضي الله عنه قد قُتِل، فعلى المسلم أن يكون حذراً من الإشاعة، فلا يستمعْ إليها، ولا يُصَدِّقْها، ولا يروِها، ولا يتأثَّرْ بها، وليتأكد منذ البداية أنَّ مصدرها هو العدو، فلا يتعجَّل الخبر، بل يتثبت ويتبين ولا يتصرف تصرفاتٍ تَسُرُّ العدوَ، وتُدْخِلُ  

الخوفَ والفزعَ على المسلمين.

(5) التعامل مع الإشاعة أمر مهم-عباد الله-، وهنا نرى كيف تعامل الرسول صَلى الله عليه وسلم مع الإشاعة، بعكس ما يحقق هدف العدو، فالإشاعة كان القصد منها أن تَفُتَّ في عضد المسلمين، وتُدْخِلَ الفرقةَ والخلافَ بينهم، ولكنَّ الذي حصل بعد الإشاعة هو عكس ما يريد العدو، ألا وهو الدعوة إلى بيعة الرضوان، فتسابق الصحابة رَضي الله عنهم إلى البيعة، وظهروا بمظهر المجتمع المتماسك المتكاتف المستعد للتضحية ومواجهة الأعداء بكل تصميم وإقدام. [فقه السيرة: للزيد(ص:532-538)]

فلنتق الله تعالى-عباد الله-، وليكن رسول الله صَلى الله عليه وسلم قدوتنا في تعامله مع الآخرين ولو كانوا أعداء، وصبره على لأوائهم، كلُّ ذلك من أجل نشر دين الإسلام. فلنسعَ لنشر دين محمد صَلى الله عليه وسلم دين الإسلام، ونصره، وتطبيقه في أنفسنا وأسرتنا ومجتمعنا.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين.  

وصلوا وسلموا على نبيكم محمد

المرفقات

1775710753_فقه السيرة(44)غزوة الحديبية(أ).docx

1775710768_فقه السيرة(44)غزوة الحديبية(أ).pdf

المشاهدات 291 | التعليقات 1

جزاك الله خيرا