لمْ يُفلته

سامي بن محمد العمر
1447/08/17 - 2026/02/05 18:49PM

لم يفلته (عن الظلم)

 

 وأنت هنا - في هذا المكان - بكل عنفوانك وقوتك، وبأسِك وشدتِك: اعلمْ أنّك في هذا الكونِ لستَ شيئا مذكوراً.

فمساحةٌ يسيرةٌ تملؤها من هذا المسجد، الذي هو جزءٌ يسيرٌ من هذا الحي، الذي هو مساحةٌ ضئيلةٌ من هذه المدينة، التي هي قطعةٌ من دولةٍ واسعة، هي عضوٌ من جسدِ قارةٍ عظيمة، تُشكل مع قاراتٍ أخرى كوكبًا هائلاً، يسبح في فضاءِ مجموعةٍ شمسية؛ هي الأخرى نقطةٌ في بحرِ مجرَّةٍ، تملأُ مع مثيلاتها من المجراتِ سماءً عظيمةَ الأنحاءِ واسعةَ الأرجاءِ، محكمةَ البناءِ.

فما حجمك الآن؟

{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا}

نعم، قد أتى عليه ذلك قبل أن يُخلق، وهو كذلك الآن بالنسبة لهذا الكونِ الفسيح؛ فأيُّ معنىً لكِبْرهِ وطُغيانه؟ وظلمه وجبروته؟ وشدته وجوره؟ وحيفه وظلمه؟

أي معنى لشِبْه المعدومِ هذا..  أن يتجاوزَ الحدود، ويتجرأ على المحرمات، ويرتكب العظائم دون خوف أو وجل؟

{يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 6 - 8]

لقد غرّه مالُه وولدُه، وقوتُه وسلطتُه، وأهلُه وقبيلتُه، وخدمُه وحشمُه {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6، 7]

فتراه بعد هذا الاغترار يقتحمُ أبشعَ صفتين، ويرتكبُ أخطرَ محظورين، ويتجرأُ على أقبحِ مُحرَّمين {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]

والكفر نوع من أنواع الظلم؛ إذ هو ظلمٌ للنفس حين يختارُ لها المرءُ ما يُعرضها للخلودِ الأبدي في نارِ الجحيم، والعذابِ المقيم.

{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]

إنه الظلم إذاً.. ذاك الداءُ الدويُّ، والبلاءُ القوي الذي حرّمه الله على نفسه وجعله بين العباد محرماً:

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}

{وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ}

عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا))([1])

وما ذاك إلا لأن في الظلمِ بالنسبة للظالمِ معنى التسلطِ والغطرسةِ، وإظهارَ القوةِ والنفوذِ بغير حق، وفيه بالنسبة للمظلوم معنى القهرِ والقمعِ والاضطهادِ بغير حق.

فمَن ذا الذي يرضى بالإهانةِ والاعتداءِ في مالِه ونفسِه وأهلِه وعرضِه؟ ومَن ذا الذي يقبلُ السبَّ والشتمَ والضربَ والأذى؟ ومَن ذا الذي يتحملُ أخذَ حقِّه منه أو منعَه من الوصولِ إليه؟

فهذا مظلومٌ في أخْذِ مالِه، وذاك مظلومٌ في أرضِه، وآخرُ في عرضِه، وكذا في وظيفتِه، أو في أهلِه أو من جارِه وهلمَّ جرا..

وحيث قد علم اللهُ أن الظالمَ يستقوي بجاهِه أو قبيلتِه، أو بعلمِه أو منصبِه، أو رشوتِه أو تزويرِه أو مماطلتِه، أو بشكاوى كيديةٍ، ودعاوى كاذبةٍ؛ تسيءُ للمظلومِ وتُشوِّه سمعته وتسلبُه حقه؛ فإن الله تعالى قد أخبر في كتابه العظيم، وعلى لسان رسوله الكريم أن الظالمَ قد عرّض نفسه لما لا طاقةَ لها به، وألقى بها في مهاوٍ لا نجاةَ منها إلا بالتوبة والإنابة.

فيا شبهَ المعدومِ في هذا الكونِ؛ تذكرْ هذه المعاني:

{وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} 

{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}

{وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}

{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}

{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا}

وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)([2])، ويقول: (من ظلم قِيد شبر من الأرض طُوِّقه من سبع أرضين يوم القيامة)([3]) ويقول: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}([4])

نسأل الله العفو والعافية

بارك الله لي ولكم...

 

الخطبة الثانية

أما بعد:

فاعلموا يا عباد الله: أن شريعةً تلعن من يؤذي الناس في طرقاتهم، ومواردهم وظلالهم، لا يمكن أن تقبل التهاون مع من يؤذيهم في نفوسهم وأبدانهم وأهليهم وأموالهم.

ومع ذلك: فإن الظلمَ وإن كان عنيفاً، والبغيَ وإن كان مُخيفاً فإن الله لم يقطع على صاحبه طريق العودة والإنابة، ولم يحرم فاعله من التوبة والاستقامة؛ فباب التوبة مفتوح ونوالُ الله يغدو ويروح.

والله تعالى يقول: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

ويقول: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ ‌فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ))([5]).

اللهم إنا نعوذ بك أن نَضِل، ‌أو ‌نُضل، أو نَزِل أو نُزل، أو نَظِلم، أو نُظلم، أو نَجهل، أو يُجهل علينا ...



([1]) أخرجه: مسلم 8/ 17 (2577) (55).
([2]) رواه مسلم
([3]) متفق عليه
([4]) متفق عليه
([5]) البخاري (2449)

المرفقات

1770306501_لم يفلته (عن الظلم).pdf

1770306517_لم يفلته (عن الظلم).docx

المشاهدات 363 | التعليقات 0